العرب والسياسة

شخص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في «تغريدته» يوم السبت الماضي، حالة الأمة العربية عندما قال: «إن الحياة علمته بأن الخوض الكثير في السياسة في عالمنا العربي هي مضيعة للوقت ومفسدة للأخلاق ومهلكة للموارد».

لأن تراجع التنمية في المجالات الحياتية في العالم العربي، وهي الأهم، لا يفسره إلا البحث عن دور السياسة والتفتيش في أدوار الباحثين عن الأضواء الإعلامية من السياسيين على اعتبار ما نراه الآن من تفشي الفوضى وعدم الاستقرار لدى دول عربية مثل سوريا والعراق وليبيا لم يكن موجوداً عندما كان كل مسؤول يقوم بالدور المنوط به وعلى اعتبار أن من يمارس السياسة هم النخب السياسية كما هو الحال في المجتمعات الغربية وفي دولة الإمارات التي باتت أيقونة تنموية في المجالات المختلفة.

بهذه التغريدة، التي تناولتها العديد من وسائل الإعلام العربية وأبرزتها في صحفها ووسائل التواصل الاجتماعي، حسم سموه لغطاً كبيراً بين المراقبين حول أسباب تراجع المجالات التعليمية والصحية وحتى الرياضية في العالم العربي مع أن منطقتنا العربية كما ذكر سموه غنية بالموارد بكافة أشكالها الطبيعية والبشرية بينما بعض الدول التي ليس لديها من تلك الموارد حققت مؤشرات تنموية عالمية كبيرة مثل اليابان والصين التي بدأت تغزو العالم بالاستثمارات والصناعة.

للسياسي أهمية كبيرة ودوره في دعم التنمية محوري ولكن في توفير البيئة المناسبة لمساعدة الآخرين لتأدية كل مسؤول دوره في المجتمع كما هو حاصل في المجتمعات التي أدركت أن خوض الجميع في السياسة يمثل أزمة وخطراً وليس فرصة غالباً ما تكون نتيجتها إما مشاحنات التي تؤدي إلى تدمير التماسك المجتمعي والاقتتال وإما تراجع في التنمية وبالتالي انتشار الفقر والوباء كما هو حاصل في العالم العربي.

شغلتان يمكن ملاحظتهما في العالم العربي أن تناول الشأن السياسي لا يقتصر على نخبة معينة دون غيرها بل تجد عامة الناس وحتى رجال الدين يمارسونها مما يخلق أزمات في المجتمع ويخلق احتقاناً وللأسف أنه يتم ذلك في بعض المجتمعات أكثر ما يحدث بين السياسيين أنفسهم، والشغلة الثانية أن السياسة أصبحت عبئاً اجتماعياً تعجز الدولة عن معالجته بالطرق الاعتيادية أحياناً كما هو الحال في العراق ولبنان، الأخطر من ذلك والأنكى أن الناس باتت تقاس في ثقافتها بمدى اطلاعها بما يحدث في العالم من تطورات سياسية وكأن الأمر من دون سياسة هو الجهل.

أهمية تجاهل السياسة في الغرب ينطلق ليس من كونه مضيعة للوقت فقط وإنما سبب للمشاكل بين الناس لذلك تجد أن دولة مثل بريطانيا تمنع تناول السياسة والدين في العمل وفي المؤسسات التعليمية، أما السياسيون في المجتمعات الغربية عموماً فإن السياسة بالنسبة لهم مهنة وتمارس في أماكن العمل فقط ولكن لا يدخلونها في الرياضة أو في العلاقات الاجتماعية ولا يقيمون تجمعات لها، كما يحدث لدى العرب.

نحتاج إلى بذل جهد لمراجعة ما أفضت إليه مسألة التركيز على الحديث في السياسة التي شملت كل مناحي الحياة بدءاً بالدين، حيث خربت العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد رغم أن الجميع كانوا قبل فترة زمنية معينة يعيشون تحت مظلة وطنية واحدة، وفي الرياضة التي تم أدلجتها وصارت تخلق أزمات بين الدول العربية بدلاً من القيام برسالتها التقليدية التي تقول: «الرياضة تصلح ما تخربه السياسة» بل إن الفن بات يتناول القضايا السياسية بدلاً من أن يعكس ما يحصل في المجتمع من ظواهر غريبة تحتاج إلى معالجتها.

ليس كل شخص يمكن أن يكون سياسياً وأعتقد أن إدراك هذا الشيء مهم جداً في هذه اللحظة التاريخية مما يمر به العالم العربي بل إننا نحتاج من المسؤولين تركيز جهودهم كل في مجاله لتعزيز التنمية بكافة أشكالها بدلاً من تضييع الوقت في الجدل السياسي الذي أثبت أنه سبب كل المشاكل والأزمات.

الشائع في مجتمعاتنا العربية أن الكل جاهز للكلام في السياسة مع أننا لا نحتاج إليه وما يتمناه الإنسان العربي هو تحقيق إنجازات تنموية لأن الدخول في السياسة ليس في كل الأحوال إضافة بقدر ما هو سحب من رصيد التنمية المؤدية لسعادة الإنسان العربي.

 

 

تعليقات

تعليقات