إلى الجامعة..

الصوت الأعلى الآن في معظم بيوتنا وبين الآباء والأمهات، وخاصة أولئك الذين تجاوز أبناؤهم مرحلة الدراسة الثانوية متطلعين إلى مرحلة أخرى أكثر تحديداً لمستقبلهم، وهي البداية الحقة للولوج إلى عالم جديد، يختلف في الكثير من تفاصيله عما سبقه من مراحل، بداية من طريقة اختيار التخصص، خاصة أن الانتقال في المراحل السابقة هو انتقال محدد مسبقاً، غير أن في هذه المرحلة المفصلية يحدد الطالب بنفسه التخصص الذي يود الالتحاق به، وهو من أهم القرارات التي سيأخذها في حياته، مع ما يكتنفه من حيرة، أسبابها تكمن في عدم الوضوح لطبيعة التخصصات في أحيان كثيرة، وهو الأمر الذي يتطلب من الجامعات أن تقوم بالتنسيق مع المدارس بعرض محاضرات في الإرشاد الأكاديمي يساعد الطالب على اكتشاف التخصص وهو ما زال في المرحلة الثانوية، فضلاً عن مساعدتها في اختيار المسار ومواد التخصص التي سوف يدرسها في مرحلة الدراسة، خاصة أنه من القرارات التي لا تبنى بين عشية وضحاها.

كما أن محاولة إرضاء الوالدين بالالتحاق بالتخصص الذي يرغبون فيه، حتى ولو لم يجد هوى عند الطالب، من العوامل التي قد تحد من قدراته، وقد تضيع عليه كثيراً من فرص التميز في حالة اختياره تخصصاً يرغب فيه، لكنه لا يكشف عنه لرغبته في إرضائهم، كذلك تأثير الأصدقاء، الذي يجعلهم يتفقون على تخصص ما لرغبتهم في البقاء معاً لأطول فترة ممكنة، وغير ذلك من بريق التخصص واسمه، وكلها عوامل مربكة محيرة تجعل الطالب في حيرة من أمره وشتات في فكره يجعله يقدم على اتخاذ قرارات ملتبسة قد تهدر الوقت والجهد بعد أن يخوض التجربة بنفسه.

وهو الأمر الذي يربك الأسرة ذاتها حين تترك لأبنائها المجال للاختيار، غير أن الأبناء ذاتهم قد يكون منهم غير قادر على ذلك، وهو الأمر الذي يتطلب أن تتضافر العديد من الجهات التي تيسر ذلك وتساعد فيه بما يحقق الفائدة للطالب والأسرة والوطن، وبخاصة أن المشهد الذي اعتدت على رؤيته كثيراً، هو الحيرة التي تصاب بها الأسرة حين يأتي موعد الالتحاق بالجامعة، وكيف أنهم يكونون في موقف صعب حين يكون الخيار غير محدد، أو ملتبساً، أو يكتنفه التردد وعدم الوضوح، لذلك فإن تهيئة الأبناء وبناء قدراتهم على الاختيار يجب أن يكون من خلال بناء شخصياتهم من الصغر، في أن يتم تدريبهم على اتخاذ القرارات الخاصة بحياتهم منذ المراحل المبكرة، مع إرشادهم وتركهم يتحملون نتيجة قراراتهم، فلا بأس من أن يترك الوالدان للأبناء مسؤولية اختيار ملابسهم، حتى وإن خالفت أذواقهم، واختيار لعبهم وهوايتهم، ولا شك أن تلك الأمور وإن كانت بسيطة غير أنها تساعد في تكوين شخصياتهم، وكذلك تنمي قدرتهم على اتخاذ قرارات في الأمور البسيطة التي تتدرج بعد ذلك حتى يشب الفرد ويقوى العود.

على الجانب الآخر يجب أن تقوم المدرسة بدورها في بناء شخصية الطالب ومتابعة جوانب التميز لديه وتنميتها، بحيث تساعده على اكتشاف ما لديه من نقاط قوة ومهارات واستعداد فطري يمكن البناء عليه، وتوعيته بذلك والعمل على ذلك بالرعاية والمتابعة، وهو الأمر الذي يساعده كثيراً في اكتشاف ذاته والاختيار الصائب لحياته الجامعية.

كما أنه من الأهمية بمكان أن يضع الفرد أمامه رؤية واسعة وواعية عند الالتحاق بتخصص ما لا يتعلق ببريق التخصص بقدر طبيعة التخصص، ومدى مواكبته حاجات العصر، والحاجة إليه على المستوى الوطني والعالمي، وكذلك ما يظهر لنا في طريقه من قدرة على الاستمرار والتطوير، مع اليقين التام أن إجادة التخصص لن تكون إلا بحب الفرد له وإيمانه به، الأمر الذي يؤدي لا محالة إلى إتقانه والتميز فيه، وهو المحك الرئيس الذي يجعل له قيمة ودوراً، ويجعل اختياره صائباً، ويرضى عن مسيرته العلمية، وهي الشق المكمل لحياته التي تجعله في حالة من الاتساق مع الذات والشعور بالرضا عن ذاته، وهو الدافع الأكبر للتميز والإبداع.

كما أن الجامعة ذاتها من اسمها يتضح دورها، ومن دورها تسمو مكانتها، وهي التي تُعنى بتكوين الفرد وبناء شخصيته، ذلك أنها المرحلة العمرية الأهم لاكتشاف الطاقات القادرة على تسلم الراية وتحمل المسؤولية، وفيها تنطلق الطاقات الفردية الخاصة بجانب القدرات العلمية، كما أن المرحلة الجامعية لها ما بعدها، وعلى قدر النجاح فيها يكون التفوق فيما بعدها، لذا من الأهمية بمكان أن تظل الجامعة جامعة.

أكاديمي إماراتي

تعليقات

تعليقات