بطولة كأس الحياة

انتهت بطولة كأس العالم وانتهت معها جولة من المتعة والإثارة والنتائج غير المتوقعة بالنسبة لعشاق كرة القدم، انتهى كأس العالم واستُكملت بطولة كأس الحياة والذي فيه تستمر النتائج، والمباريات الحاسمة والمصيرية، تستمر تلك المشاكسات الفكرية وتضارب الأفكار ومحاولة كل شخص أن يثبت أن فكرته أو رأيه هو الصحيح في محاولة لنيل اللقب، لقب المنتصر، لقب العاِلم، ألقاب كثيرة نحاول الوصول إليها في بطولة كأس الحياة لا تعد ولا تحصى.

في كأس العالم رأى البعض أن تشجيعهم للألمان وتحقيق اللقب هو قمة الفرحة، وعندما خرجت ألمانيا ذهبت الأحلام وانقضت معها المتعة فهجروا الكأس وأغلقوا الشاشات هؤلاء يمكننا أن نسميهم المتعصبين، بينما رأى البعض أن المتعة في متابعة البرغوث الأرجنتيني «ميسي» وأيضاً خاب ظنهم وخرجت الأرجنتين فلم يعد متابعة الكأس بالنسبة لهم أمراً مسلياً، واكتفوا بمتابعة المباريات ليتعرفوا على بطل هذه النسخة، بينما أولئك المتابعون الذين همهم مشاهدة المباراة فيشعرون بالحماس هؤلاء شجعوا البرتغال وكرستيانو وعندما خرج البطل شجعوا اللعب الممتع فشجعوا بلجيكا، وعندما خرجت بلجيكا شجعوا فرنسا أو كرواتيا، هؤلاء لم ينحازوا لفريق بل أمتعهم اللعب النظيف، والروح البطولية العالية التي ظهرت على أرضية الملعب، وفي النهاية انتهت البطولة ولا يمكننا لوم أي شخص لأن أفكاره أو حبه لفريقه قاده لأي تصرف فالجميع لهم الحق في المتابعة والتشجيع والتحليل وإبداء الآراء والدفاع عن فريقهم أو لاعبهم كما يرونه مناسباً، وبالشكل الذي يعبرون من خلاله عن حبهم لكرة القدم أو كرههم لها، ولا ننسى أن هناك فئة من الناس لم يعر اهتمامهم شيئاً عن هذه البطولة أساساً، فإن سألتهم عن الفرق التي يشجعونها فيقولون لك لمَ تسألني؛ هل هناك بطولة أصلاً؟!، وهذه الفئة من الناس أيضاً غير مخطئة أو مدانة في عدم تتبعها هذا النشاط.

في كأس العالم الجميع له الحرية الكاملة في التشجيع والدفاع عن فريقه، ولكن في كأس الحياة أحياناً كثيرة لا يمكننا فعل ذلك خصوصاً إن حاولنا تشجيع أفكارنا والدفاع عنها، فالإقصاء بالضربة القاضية حاضراً في جميع مراحل النقاش، فما إن تتبنى فكرةً أو رأيًا وتقف حارساً تصد الهجمات المتلاحقة التي ستنهال عليك حتى تتفاجأ بهجمة مرتدة تطعنك من الظهر تقول لك أنت مخطئ وفكرتي هي الأصح، ورأيي هو السديد لا سواه أبداً.

في كأس الحياة الكل يرى نفسه أنه الرابح الدائم، وأن أفكاره وتوجهاته ورؤاه هي الصحيحة على الدوام، مع أن المنطق يقول إن الصواب ما هو إلا نقطة ينظر الشخص من خلالها على الأشياء فيصدر حكماً بأنه صواب، وللصواب أوجه مختلفة ونوافذ كثيرة تمكننا من رؤيته بزوايا مختلفة أو حتى متعاكسة، فلا يمكننا احتكار الصواب على أنفسنا أو على فئتنا أو ملتنا أو جنسيتنا أو حتى ديننا، فلكل واحد من هؤلاء نظرة تمكنه من رؤية نفسه بأنه هو الصواب وتعمي بصيرته عن زوايا كثيرة لآخرين يرون الخطأ في عينه على أنه صواب ونعم الصواب إن صح التعبير.

كلما ابتعدنا عن أفكارنا التي ندافع عنها والمتمسكين بها دون حياد، والمحاولين لفرضها على الآخرين بشتى أنواع القوة كلما شاهدنا الزوايا المظلمة التي لم نرها بقربنا لها، فالابتعاد عن الشيء يجعلك تراه بشكل أوسع وأشمل، والدليل أننا كلما اقتربنا من الأرض كلما قلنا أنها مسطحة، وهذا صحيح بوجهة نظر محدودة، ولكن عندما نبتعد عن الأرض نكتشف بأنها كروية وهذا صحيح أيضاً فكلما توسع نطاق رؤيتك للأشياء كلما اقتربت من فهم النظرة الأشمل، وهذا ينطبق على تعصبنا لأي فكرة أو جنسية أو عرق أو مذهب أو دين أو جنس فعندما تبتعد عن فكرتك المتعصب لها ستكتشف أنه يجمعك مع معارضيها نقطة أشمل تسمى الجنسية، وعندما تتخلص من عنصريتك لجنسيتك ستجتمع بدائرة أكبر مع من هم من نفس عرقك من خارج جنسيتك، وهكذا حتى تجتمع بمن يخالفونك بكل شيء بشيء أكبر وأشمل.

الجميع يتحدث بما هو صحيح على الأقل وفقاً لما هو مؤمن فيه بنفسه، بما صور له عقله على أنه الصحيح والصواب، هكذا هي الحياة عقول ترى من زوايا مختلفة فلا يمكننا الحكم على شخص فقط لأنه يخالفنا ويعارضنا الرأي، هذا هو الذي يجب أن تُحضر نفسك عليه لكي تكسب أي بطولة في العالم، أن تسمع من الآخرين وتؤمن بأن كلامهم هو الصواب وأن لديك أنت أيضاً صواب خاص فيك لا اختلاف ولا خلاف في الأمر، فقط أنت نظرت إلى الأمر من ثقب الإبرة، وغيرك رآها من وسع السماء فلكل واحد مدارك مختلفة في تقييم الأمور.

انتهت بطولة كأس العالم ولم تنته بطولة كأس الحياة والذي فيه عليك أن لا تتعصب إلا لأن تدافع عن حرية الرأي والفكر والمنهج والتوجه، حرية الإنسان في قول أي شيء دون أن يتعرض للإقصاء من أي طرف كان، ففي لغة الإنسانية خلقنا الله وميزنا بالعقل فلا نريد لأي غشاء يحدد منابع الإبداع والتفكر، لا نريد أن يُحجم الإنسان لا للونه ولا لجنسيته ولا لعرقه ولا لمذهبه ولا لدينه ولا لجنسه، فكلنا على قدر واحد من الحرية المصانة في جميع الحقوق والمواثيق والشعائر السماوية.

تعليقات

تعليقات