كأس العالم 2018

السؤال المبطن وتغيير السلوك

لا نستطيع إجبار الناس على سلوك معين، غير أنه بالإمكان استخدام أسلوب تكتيكي بطريقة صياغة السؤال. على سبيل المثال، لا يختلف اثنان على أن هناك ملايين الدولارات والجهود التي تهدر في العالم كله بسبب عدم التزام الناس بمواعيدهم، مثل تجاهل موعد عيادة خاصة يفوت على طبيب فرصة معالجة مريض آخر أو طاولات المطاعم التي يتركها من حجزها شاغرة ولا يكلف نفسه عناء الاتصال للاعتذار عن المجيء. لذا لجأت بعض المطاعم مضطرة في لندن ونيويورك إلى أخذ بيانات البطاقة الائتمانية لتغريم من يتجاهلون مواعيدهم. وهو ما تفعله خطوط الطيران وبعض المستشفيات الخاصة. غير أن الباحثين وجدوا حلا آخر يمكن أن ينطبق على مختلف القطاعات.

هذه الحيلة، التي طبقها باحثون تتمثل بتغيير صياغة السؤال المعتاد في الدعوات الخاصة أو المواعيد: «أرجو الاتصال بنا إذا كنت مضطرا لإلغاء الموعد» إلى السؤال الذكي التالي: «هل ستتصل بنا إذا كنت مضطرا لإلغاء الموعد؟». هذا التغيير البسيط فاجأ الباحثين بأنه قد دفع معظم المشاركين بالإجابة «بنعم». بعبارة أخرى يبدو أنهم شعروا بأنهم مضطرون للالتزام بوعدهم، فقد انخفض معدل المتخلفين عن الحضور بنسبة تراوحت بين 30 إلى 10 في المائة وهو إنجاز يستحق التجربة خصوصا أنه لا يكلف شيئا وأن بعض الخدمات لا تتحمل أن يتغرم فيها الناس أموالا. مثل دعوة حفل زفاف أو غيرها من الدعوات الخاصة. كما أن ارتفاع نسبة الاعتذار في العيادات والمتاجر والشركات والمطاعم سيمكن أصحابها من تدارك الموقف ومنح غيرهم المواعيد الشاغرة. وهو ما يدخر أموالا طائلة مهدرة.

الأمر نفسه، نواجهه في انتخابات مجلس الأمة في الكويت حيث لا تملك لجان المرشحين الانتخابية إلزام الناس برفع نسبة المشاركة، وهو هدف عالمي تصبو إليه معظم المؤسسات لتصبح النتائج تعبيرا حقيقيا عن رأي الناس في ممثليهم في جمعيات النفع العام والبرلمانات والجمعيات العامة في الشركات.

وأذكر جيدا كيف قلبت نحو 500 صوت موازين الانتخابات الرئاسية الأميركية الضارية عام 2000. ورأيت مرشحي برلمان عربي فازوا بفارق صوت وصوتين صعقت بهما الدائرة الانتخابية التي لو نجحت في رفع نسبة التصويت لعبرت عن نتائج مغايرة.

وربما هذا ما دفع الباحث الاجتماعي «أنثوني غرين والد» وزملائه إلى تكنيك جميل آخر وهو سؤال المشاركين: هل تتوقع أنك ستصوت؟ وإذا كان الرد بالإيجاب، فما سبب تنبئك أو توقعك؟ هذا السؤال البسيط رفع نسبة الحضور إلى مراكز الاقتراع بنسبة 25 في المائة أكثر من أولئك الذين لم يوجه لهم السؤال.

هذا الأسلوب يمكن أن يستخدم في شتى مناحي الحياة كالمشاريع الحكومية والتجارية والاستثمارية والعقارية. إذ قد يوفر جهدا ماديا ومعنويا. وهنا أذكر مثالا ذا صلة حيث بادرت الحكومة الكويتية بمشروع اعتبر في حقبة الثمانينات مبادرة رائدة في البلاد وهي بناء «شقق الصوابر» النموذجية في قلب العاصمة. غير أنه تبين لاحقا أنه لم يحظ بقبول واسع لدى المواطنين الذين يبدو أنهم يفضلون المنازل على الشقق الدائمة. لذا قدمت لجنة في المجلس البلدي دراسة لهدم الشقق واستبدالها بمشروع حيوي آخر.

من هنا فإن استخدام تكنيكات العلم الحديث هي وسيلة مشروعة ومتاحة للجميع، فقد تغير من سلوكيات الناس أو بالأحرى ترفع نسبة التزامهم بوعودهم.

تعليقات

تعليقات