اللاعب رقم 13

يتشكل فريق كرة القدم الأساسي من 11 لاعباً في كل فريق يتنافسون فيما بينهم للفوز بالمباراة، ليصنعوا أمجاد أوطانهم أو فرقهم ويفوزون بالألقاب، وبما أننا نعيش منافسات دور 16 من كأس العالم روسيا 2018، وهي المرحلة التي يخرج فيها المغلوب، وانتهت مع بدايتها أحلام نصف الفرق المشاركة في المونديال، وخابت آمال الكثيرين ممن راهنوا على جيل كانوا يرون فيه الأمل لتحقق إنجازا تاريخيا، فعلينا أن نراجع بعض الأمور ونستخلص العبر.

الدورة الحالية شهدت مفاجآت من العيار الثقيل كان أبرزها خروج حامل اللقب المنتخب الألماني من الدور الأول، ولكن بالنسبة لنا كعرب لم تكن هذه المفاجأة هي الأهم، إنما خروج الفرق العربية الأربعة المشاركة في المونديال، وصحيح أن لكل واحد منهم قصة وحكاية في خروجه من المنافسة، وبصرف النظر عن الأداء داخل الملعب، إلا أنها تؤكد الحالة المزمنة من الفشل الكروي في عالمنا العربي.

ولكي نكون منصفين أكثر؛ لسنا العرب الوحيدين ممن تخيب آمالهم إنما يمكننا القول إن أبطال العالم دائما ما يكونون من القارة الأوروبية أو من أميركا الجنوبية فقط، ولم يسبق أن فاز باللقب أي منتخب من قارة آسيا أو أفريقيا أو حتى أميركا الشمالية، فهل السبب في أن هذه القارات الثلاث لم تستطع أية دولة بداخلها أن تكتشف موهبة 11 فردا وتصنع منهم أبطالاً لأحد نسخ كأس العالم؟، أم أن التاريخ له وطأته على الحاضر والمستقبل فلم يعد بالإمكان أن يخرج الكأس من أوروبا أو أميركا الجنوبية؟!.

من أهم المصطلحات المتداولة في عالم الكرة «اللاعب رقم 12»، ويقصد به الجمهور والذي من خلال حماسه وصرخاته التشجيعية في المدرجات يستطيع أن يغير مجريات المباراة، وبناء على هذا أعطيت لنفسي الحق بأن أوجد مصطلح «اللاعب رقم 13»، والذي أقصد فيه «المنظومة الرياضية»، فهي اللاعب المكمل والعامل الأساسي الذي باستطاعته أن يغير مجريات التاريخ وليس فقط تغيير مجريات المباراة.

في عام 2002 نُشرت عدة تقارير بلجيكية حملت صوراً وأسماء للاعبين كرة قدم أطفال، وقالوا بأن هؤلاء من سيمثلون بلجيكا في المستقبل وقد صدقوا، دولة مثل «بلجيكا» وضعت الخطة واستثمرت في أطفال لتصنع منهم نجوماً في عالم المستديرة، وقد شاهدنا أداءهم المذهل في بطولة العالم الحالية، وبرأي كبار المحللين الرياضيين هذا المنتخب قادر على تحقيق اللقب إن حافظ على مستواه وتركيزه داخل الملعب؛ منتخب شاب باستطاعته أن يلعب لسنوات طوال ويكتسب الخبرة من مونديال إلى آخر ليحقق الإنجاز، وهذا بفضل اللاعب رقم 13 «المنظومة الرياضية» .

لا ننكر أن في وطننا العربي العديد من المواهب الكروية، ولكن للأسف هذه المواهب تذهب سدى جراء المنظومة الرياضية المحبطة في أوطاننا، والتي تعتبر أن مجرد المشاركة في المونديال لهو شرف كبير، غير أنها لا ترى في النتائج المذلة والمهينة على أنها سقطة لمكانة دولنا خصوصاً أن التسليط الإعلامي الذي يرافق المونديال ويرصد كل حركة وكل هفوة يقع فيها اللاعبون، ويحللون هذه النتائج ويعزونها للأسباب ذاتها؛ الإدارة الخاطئة للمنظومة الرياضية.

كرة القدم وغيرها من الرياضات أصبحت اليوم صناعة واقتصاداً كبيراً تعيش على إثره العديد من دول العالم وخصوصاً في أوروبا، فقد جاء في تقرير مؤسسة «ديلويت» أن قيمة الدوريات الأوروبية الخمسة الكبرى لكرة القدم (الدوري الإنجليزي، الإسباني، الإيطالي، الفرنسي، الألماني) يبلغ 25.5 مليار يورو، وحجم الإيرادات بلغت 15 مليار يورو في عام 2017، وهذه الأرقام تساوي ميزانية بعض الدول، وحجم الإيرادات تفوق حجم الإيرادات للكثير من القطاعات الاقتصادية الهامة.

وعند مقارنة هذه الأرقام بأرقام دورياتنا العربية نكتشف أن هناك فجوة كبيرة، ونحتاج للكثير لنقترب من هذه الأرقام وربما لن ننجح لأسباب عديدة، والحل لا يكمن في المقاربة الاقتصادية أو التنافسية، إنما بالمقاربة العقلية والإدارية القادرة على صناعة جيل جديد من الشباب الرياضي، وأن يوفر لهم القوانين التي تساعد في انتقالهم واحترافهم في الدوريات العالمية ليكسبوا خبرة الزخم الإعلامي وكيفية مواجهة الجهور واللعب على النسق العالي، ولكن أن تبقى منظوماتنا الرياضية تدفع الملايين دون أن يكون لها برنامج وخطة واضحة فهذا خطأ كبير ولن يحقق لنا النتائج، وعلينا أن نضع الأهداف نصب أعيننا، وأن لا نقبل بالإنجازات الشرفية الصغيرة، بل المنافسة على الألقاب الكبيرة.

لقد آن الأوان أن نحذو حذو دول كان لها رؤية في صناعة أبطالها الرياضيين واعتبرتهم قوة ناعمة ترفع من التنافسية العالمية، فكم مدينة أصبحت مرتعاً للسياحة فقط لأنها موطن لاعب كرة قدم مشهور، وكم دولة صغيرة أصبحت تتمتع بشهرة عالمية كبيرة فقط لأن فيها نادي كرة قدم عريق، إن كنتم لم تقتنعوا بعد فما عليكم إلا أن تشاهدوا اللقاء الذي جمع الرئيس البرتغالي «مارسيلو ريبيلو»، والرئيس الأميركي «دونالد ترامب»، وكيف تفاخر الرئيس البرتغالي بأنه يملك في بلده أفضل لاعب في العالم، ورغم أن الموقف استهزأ به الكثيرون، إلا أنه يوضح أن لكرة القدم قوة ضاربة وليست ناعمة في زيادة تنافسية الدول ومكانتها عالمياً.

تعليقات

تعليقات