كأس العالم 2018

ثروات البلاد وأيدي العباد

لنا في تجارب دول العالم وإدارة ثرواتها الخاصة العديد من التجارب الرائدة، وأخريات معاكسة لها تماماً من الفشل، والفشل الذريع في بعض الأحيان، وكثيراً ما تطالب الشعوب حول العالم بوجوب استغلال هذه الثروات بالطريقة المثلى لينعم الشعب بحياة رغيدة كما يتمنون.

ربما تعول أغلب اقتصاديات العالم على ثروات البلاد لسداد الإنفاق الحكومي وتلبية حاجيات المواطنين، ولكن العديد من بلدان العالم يقال بأنها لا تملك هذه الثروات، وتبقى هذه الدول تنازع البنوك الدولية لتقرضها أو الاستفادة من الدول المانحة أو عن طريق المساعدات الدولية، ولكن يبقى السؤال المهم؛ هل فعلاً يوجد بلدان لا تمتلك من المقومات ما يؤهلها لكي تصنع اقتصاداً قوياً يبرز مكانتها ومكانة شعوبها عالمياً؟!

في هذا العصر «عصر البترول» تتجه الأنظار نحو البترول فقط كمصدر للثروات، في حين أن هذا البترول لم يكن قبل قرن واحد من الزمان فقط مكتشفاً، وكانت الدول التي تملك البترول تعمل في قطاعات مختلفة، والبعض منها كان يعد من الدول الفقيرة، ولكن بعد أن تم اكتشافه أصبحت الدول التي تمتلكه تتربع على عروش الاقتصاد العالمي، ولنا في هذه التجربة الحديثة أعظم درس؛ ذلك أن كل بقعة على هذه الأرض لديها ما يكفيها ويُغنيها من الثروات، بعضها اكتشف الآن والبعض الآخر سيؤجل إلى حينه.

وهذا لا يعني أن تبقى الدول صاحبة النصيب الأضعف من الثروات الثمينة مكتوفة الأيدي، إنما البحث عن بدائل لتحسن من مدخولاتها الوطنية، والبحث عن قطاعات رائدة تتميز بها لتخلق لنفسها نموذجاً وتجربة ناجحة لتصعد في مؤشرات الاقتصاد العالمي عالياً، وتحافظ على استقرار أمنها وأمن شعوبها سياسياً واقتصادياً وأمنياً، فكل هذه الأمور يمكن السيطرة عليها في حالة ارتفاع المؤشرات الاقتصادية.

في التاريخ القديم كانت بعض مما نملك اليوم يُباع بأثمان باهظة، فهل لكم أن تتخيلوا أن «بهارات الطعام» كانت سبباً في نشوء حضارات واكتشاف دول كما حدث مع كريستوف كولومبس الذي غير اتجاه السفر المعتاد ليصل إلى الهند بسرعة أكبر ليجلب منها البهارات، وبطريقه اكتشف قارة أميركا، ومن أجل البهارات كانت تدور صراعات قاتلة وحروب بين الدول.

العبرة ليست بمقدرات البلاد، بقدر ما هي بأيدي العباد، الذين يحولون أبسط الأشياء لثروات طائلة إن أحسنوا استثمارها واستغلالها بالشكل الصحيح، أو قاموا باكتشاف اكتشاف جديد غير موازين المحاور الاقتصادية وبدلها من شيء إلى شيء آخر، وهنا يكمن النجاح الكامل، فعند اكتشاف البترول استفادت الدول التي اكتشفته أكثر من الدول التي تمتلكه أساساً، فبغير حقوق الملكية والحصرية في استخراج النفط وكيفية تكريره، والتي كانت حصراً على بعض الدول تجد أن دولاً صناعية قامت بصناعة طائرات وسفن وسيارات تعمل على هذه الثروات بخلاف المنتجات النفطية من ملابس وبلاستيك وأسفلت وغيرها من هذه المنتجات المعتمدة على النفط، واستفادت اقتصادياً بشكل كبير رغم أنها لا تمتلك هذه الثروات.

ولهذا دائماً ما نقول إن الإنسان هو المحرك الأساسي لكل ثروة توجد على أرضه، وفي هذا العالم نماذج كثيرة من اقتصاديات قائمة على ثروات الغير بحسن استغلالها وتوظيفها لمصلحة بلدانهم وشعوبهم، وكل من يشكو سوء الموارد، فعليه أن يغيّر الوجهة والمقصد، فبدلاً من أن تكون الدولة مصدرة للخام فعليها أن تتحول لتصدر المنتج النهائي، أو بدلاً من هذا كله فعليها أن تتجه نحو تصدير الخدمات، فاليوم وفي ظل الفضاء الإلكتروني العالمي باتت خدمات معينة تجلب المليارات بمقابل نفقات تكاد تكون معدومة مقارنة بحجم العوائد وواحة السيليكون في أميركا تشهد على ذلك.

أيدي العباد أهم بكثير من مقدرات البلاد، ففي العالم أيضاً تجارب لثروات منزوعة الدسم لوقوعها في أيدي سلطات أو حكومات لم تستثمرها بالشكل الصحيح، ولم تقم بدورها في توظيف هذه الثروات من أجل رفعة شعوبها وتأمين الحياة الكريمة لهم، والنماذج كثيرة ولكل منها نموذجها الخاص في الفشل الاقتصادي رغم ما تملكه من مقومات وثروات هائلة، والأمر لا يقتصر على البترول وحده ولو كان هناك بعض الدول التي تملك البترول ولكن اقتصادها في ذيل الاقتصاديات العالمية لعدم قدرتها على إدارة ما وهبها الله من خيرات.

هذه الأرض التي وهبنا الله إياها فيها ما يفيض من خيرات بمختلف الأشكال والأنواع والاستخدامات، وفيها من الخيرات ما هو دائم كالذهب وبعض المعادن الثمينة، وفيها ما هو منتهٍ وله زمن محدد كالبترول، ولكن تبقى العبرة فيمن يكتشف هذه الثروات ويستغلها بالشكل الصحيح، ويجعل هذه الثروات كاملة الدسم في الفائدة التي تعود على البلاد والعباد.

تعليقات

تعليقات