سلطة الخطاب

سمي الخطاب خطاباً لأنه يخاطب الناس، والخطاب هنا ليس مجرد القول المباشر، فاللوحة خطاب والأغنية خطاب، والمسلسل والسينما والمسرح خطابات، والنصوص الشعرية والقصصية والفكرية والفلسفية خطابات، البرامج التلفزيونية بما فيها الإعلان خطابات.

إن الخطابات على أنواعها إذا توجهت إلى الآخرين إنما مقصودها تشكيل الوعي سواء أكان وعياً جمالياً أم سياسياً أم أيديولوجياً أم ثقافياً بعامة، وبعض الخطابات المباشرة كالخطابات السياسية والأيديولوجية والإعلانية فإن غاياتها حمل الناس على السلوك وفق رسالة الخطاب ومضمونه. إن الخطاب وهو يشكل الوعي والوعي الذي يحدد نمط السلوك والموقف من الآخر والحياة بعامة يتحول إلى سلطة، كما أكد الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو.

ولأن الخطاب سلطة وتحدد أنماط السلوك فإن خطورة الخطاب على الحياة المجتمعية كبيرة جداً سلباً وإيجاباً.

ولهذا فإن طرح السؤال، انطلاقاً من الإقرار بخطورة الخطاب، حول علاقة الخطاب بالحرية على جانب كبير من الأهمية.

أجل: هل نحن أحرار في تقديم الخطاب الذي نريد ويحلو لنا دون التفكير بأثره السلبي على الوعي والسلوك؟ ليس الأمر كما يبدو من طريقة طرح السؤال، المصادرة على حرية الخطاب إطلاقاً. وبخاصة إذا حددنا ما معنى الأثر السلبي للخطاب.

تحديد الأثر السلبي للخطاب بتحديد معنى الحرية. الحرية في أحد أهم تعريفاتها، الحرية هي ممارسة أي سلوك عملي أو نظري دون أن يؤدي هذا السلوك إلى إيذاء الآخر والإضرار به من ضرر إخافته إلى ارتكاب جرم قتله. وهذا هو مضمون القول، إنه تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين.

إذاً الذي يحدد الأثر السلبي للخطاب ليس اختلافي عنه وعن مضمونه، بل يكمن أثره السلبي فيما يولده من ضرر على الآخر والحياة.

ولهذا فالكاتب / الخطيب / ليس حراً أن يقدم لنا، وبواسطة وسائل التواصل، خطاباً عنصرياً، يتحدث عن عرق أعلى وعرق أدنى فيثير النزعة الفوقية عند شعب بعينه والشعور بالتفوق لديه تجاه الشعوب الأخرى. ففي خطاب كهذا إيذاء للآخر، وأيما إيذاء.

وإن المتلقي ليتساءل، ما هو الحق في الحرية عندما ينبري أصولي متعصب ليخاطب جمهوراً ما بدفعهم إلى قتل الآخر ونفيه والحقد عليه؟ إن المتلقين ولا شك متنوعو الاتجاهات والرؤى والاستعدادات والقابليات، ولهذا فإن أثر الخطابات بدوره متنوع.

فليس من الحرية بمكان أبداً أن يُسمح بخطاب يخلق الأحقاد الطائفية ويحولها إلى طريقة في التعامل مع الآخر. لا سيما أن هذا الخطاب يصدر عن محطات فضائية يشاهدها الملايين من الناس. فالأحقاد مقدمة لممارسة القتل.

ليس من الحرية بمكان أن تكون وسائل الاتصال مدارس تخريج مشاريع قتلة. ليس من الحرية بمكان أن نشوه الوعي بحقنه من الترهات والأكاذيب والوعي الزائف، لأن وعياً كهذا سيتحول لا محالة إلى سلوك يضر بالأطفال ومستقبلهم.

والأخطر من ذلك هو إن الخطاب المضمر في عرض مشاهد القتل والتعذيب وإعادة عرضها إنما تؤدي إلى تبلد الإحساس والشعور المتعاطف مع الضحية. فحين يصبح مشهد التعذيب في السجون عادياً، ومنظر القتل مألوفاً، فإن قابلية القبول بهذه الجرائم تزداد عن بعض المتلقين. فالصورة، هي الأخرى، خطاب يقول ما تقوله اللغة، لأنها لغة تضمر المعنى في الشكل.

لا شك أن قولنا هذا سيجد آذناً صاغية عند تلك الدول التي تضع الإنسان غاية أولى من غاياتها، ولكنه لن ينفع أبداً مع دول يكون من مصلحتها نشر خطابات الحقد والقتل، لن ينفع مع جماعات لا تعيش إلا على خطابات ضد الإنسان وحريته.

 

كاتب فلسطيني

تعليقات

تعليقات