حكاية أمل

أمل شابة مواطنة، تخرجت للتو في إحدى الجامعات المرموقة في الدولة بتقدير متميز. تخصصها من التخصصات العلمية الحديثة والمطلوبة في الدولة، والتي من المفروض ألا يجد المتخصص فيها أي صعوبة في العثور على عمل حال تخرجه.

تقدمت أمل إلى عدد كبير من المؤسسات الحكومية والخاصة، علّها تحصل على وظيفة تتناسب مع مؤهلاتها، واجتازت العديد من المقابلات. بعض المؤسسات التي تقدمت إليها، تقول بأن أمل لا تملك الخبرة والتجربة اللازمة للعمل، مع العلم أن المواطن معفى من شرط الخبرة، والآخر يبرر بعدم وجود شواغر، والثالث يردها إلى متغيرات سوق العمل.

حكاية أمل هي حكاية بعض من شبابنا المواطن في هذه الأيام. فهو يتطلع إلى لحظة التخرج بشوق ولهفة، وينتظر اللحظة التي يبدأ فيها مشواره المهني، ولكن أحلامه تتلاشى على سلم الانتظار، وبين وعود المؤسسات، وبين طلبات بعض الشركات من خبرة ومؤهلات وطلبات غير منطقية.

وسواء شئنا أم أبينا، لا تزال الواسطة تلعب دوراً كبيراً في بعض المؤسسات. فعدم قدرة الشاب على إيجاد الوظيفة المناسبة، لا ترجع فقط إلى رغبات الشباب في العمل ضمن دائرة محددة، ولا رغبتهم في الحصول على وظائف إدارية قليلة الجهد وذات مردود مالي عالٍ، ولكن ترجع أيضاً إلى تغير أنماط سوق العمل، وإلى الأوضاع الاقتصادية بشكل عام، ومتطلبات الهيئات والمؤسسات الحكومية والخاصة.

وعلى الرغم من تغير نوعية البرامج العلمية المطروحة في الجامعات، والرامية إلى تخريج نوعية مختلفة من الخريجين، تتناسب مع متطلبات سوق العمل، كالهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي، إلا أنه حتى هذه النوعية من الخريجين، أصبحت تواجه صعوبة في إيجاد الوظيفة المناسبة.

من جهتها، لم تقصر دولة الإمارات في الاهتمام بالشباب وقضية فرص العمل. فقد أولت الدولة اهتماماً كبيراً بالتوطين، وتعيين الشباب على وجه الخصوص. فقد تم إنشاء وزارة خاصة بالتوطين والموارد البشرية، مهمتها الأساسية، العمل على إيجاد الحلول لمثل هذه المشاكل.

وإدراكاً من الحكومة بأهمية هذه القضية، فقد طرحت حزمة من المبادرات والقرارات، التي من شأنها إيجاد فرص عمل للشباب. من ناحية أخرى، فهناك معارض التوظيف، التي تسمح للشركات والمؤسسات بلقاء الباحثين عن عمل والتعاقد معهم وجهاً لوجه، بعد الاطلاع على مؤهلاتهم، والتعرف إلى خلفياتهم المهنية. ولكن أعداد الشباب الخريجين الذين يبحثون عن عمل، هو عدد كبير نوعاً ما، بالنسبة لدولة ذات اقتصاد متجدد ونامٍ، ويوفر ملايين فرص العمل سنوياً، ومقصداً جاذباً لملايين العمالة الأجنبية الباحثة عن عمل. وأعداد الأسر التي تنتظر أن ترى تعبها وقد أينع ثماره، هو الآخر كبير.

فكما أصبح الخريج يحس بأنه لا يزال يمثل عبئاً على أسرته، أصبحت الأسر أيضاً تتمنى انتهاء تلك المرحلة، ودخول الشاب إلى مرحلة الإعداد للمستقبل، ليزول عن كاهلها عبء إعالة فرد من أفراد الأسرة، ودخوله إلى مرحلة الاستقلالية الاقتصادية.

فالعديد من الأسر تنتظر بفارغ الصبر، لحظة تخرج أبنائهم، ومن ثمة حصولهم على وظيفة تتناسب مع مؤهلاتهم. فليس كل الأسر لديها المقدرة للاستمرار في الإنفاق على أبنائها إلى ما بعد تخرجهم. فالكثير من الأسر تنتظر اللحظة التي يستطيع فيها الشاب الاعتماد على نفسه، والبدء في تهيئة مستقبله.

إن الشباب هم أملنا للمستقبل، والدولة تعلق آمالاً كباراً على تهيئة الشباب وتأهيلهم لتسلم مقاليد الأمور في المستقبل، وبالتالي، فإن التهيئة النفسية والعملية بإزالة كل المعوقات من طريقهم، هي واجب على الجميع.

في الوقت ذاته، فإن دراسة الأنماط والمتغيرات التي طرأت على سوق العمل في الدولة، هي واجب مطلوب على الاقتصاديين والأكاديميين، حتى يمكن التكهن بالمتغيرات التي يمكن أن تطرأ على سوق العمل في السنوات القادمة. بهذا تتكاتف كل الأيدي والجهود لصنع مستقبل أفضل لشبابنا.

نتمنى لحكاية أمل أن تنتهي نهاية سعيدة. فأمل هي أنموذج لجيل الألفية الثالثة، الذي يريد أن يرى نتاج جهده سريعاً، قبل أن تتلقفه المتغيرات السريعة التي طرأت على سوق العمل.

فأمل كلها أمل أن تستيقظ يوماً على تلك الرسالة التي تبشرها بأنها وجدت الوظيفة المناسبة، والتي تتناسب مع إمكاناتها ومؤهلاتها العلمية. وكلنا أمل ألا يطول انتظار (أمل).

تعليقات

تعليقات