براعة ترامب بين بيونغيانغ وطهران

كان الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، وهو ممثل هوليوودي سابق، آخر رجل استعراض عظيم في البيت الأبيض، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي عمل سابقاً كمقدم برنامج تلفزيوني، يعدنا حالياً، بأداء يقارب أداء ريغان، إذا كان علينا إصدار الحكم من الإخراج الأخير لعملية التقارب من كوريا الشمالية.

ويبدو كما لو أن واحدة من التحولات الأقل احتمالاً في العلاقات الدولية على وشك الإنجاز، أي إخراج كوريا الشمالية من عزلتها. والأكثر من ذلك، من المنصف القول إن الأمر ما كان ليحدث، أو ما كان ليحدث بهذه السرعة، من دون تدخل دونالد ترامب وغرائزه.

قبل ترامب، حاول رؤساء أميركيون متعاقبون، نزع فتيل التوترات في شبه الجزيرة الكورية بدرجات متفاوتة من النجاح. لكن لم يكن أي منهم على استعداد لأن يأخذ على عاتقه المقامرة الثلاثية التي أخذها ترامب: أولاً، كلام رئيس كوريا الشمالية الشاب العدواني، يخفي وراءه لسعات أضعف بكثير، ثانياً، الخلاف النووي ليس وليد قوة، بل انعدام الأمان، وثالثاً، الشيء الذي كان يسعى وراءه كيم فوق أي اعتبار آخر، هو القبول بشخصه وبلاده، وهو على استعداد للقيام بتنازلات هامة من أجل ذلك.

تلك كانت الحسابات النفسية التي اتخذها ترامب على عاتقه، ضد كل أنواع التحذيرات من الخبراء والمستشارين، ويبدو أنه كان على حق. ما كان يسعى إليه كيم، كان لقاء فردياً مع الرئيس الأميركي، وهو لقاء يُمنح بشكل روتيني لقادة الدول الآخرين، مع واجب الحفل والعلم الوطني. ومن خلال منحه تلك الأمور، كان ترامب على استعداد للمخاطرة بكرامة منصبه، كما لم يفعل رئيس أميركي من قبل.

وحتى الآن، لا يزال هناك من يوصي بتوخي الحذر. لكن أولئك يسيئون فهم ما يجري فعلاً. فالفكرة من وراء هذا الاجتماع، لا تكمن في الخروج ببيان أو نتائج محددة، بل في واقع حدوث الاجتماع بحد ذاته. ومن دونه، لن يكون هناك تعليق طويل الأجل، أو حتى وقف للبرنامج النووي الكوري الشمالي، ولن تكون هناك آفاق لمنطقة خالية من الأسلحة النووية، ولا فرصة لتحقيق أي تقدم في الهدنة الحالية نحو معاهدة سلام. ومع تحول الولايات المتحدة، في عيون بيونغيانغ، من خصم إلى راعٍ للسلام، فربما قد يكون هناك احتمال تحقيق بذلك..

وبدا ترامب كما لو أنه يقبل بتحذيرات الجمهوريين الصقور، والضغوط المكثفة من إسرائيل، التي ترى التقدم في المصالح الإيرانية في سوريا، كتهديد مباشر لأمنها.

لكن، كما بات يعرف العالم، هذا الرئيس الأميركي لا يزمع القيام بما يقال له، بل يفعل ما يشعر بصحته، في سياق شعاره «أميركا أولاً». وهناك الكثير من الأشياء في الاتفاق النووي الإيراني كان يمقتها شخصياً: كان الاتفاق مثالاً عما رآه من ميل لدى الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما نحو الاسترضاء. وكان الاتفاق ترتيباً متعدد الأطراف، وقد رأى ترامب ثغرات أمنية محتملة تحمل تهديداً، حيث رأى غيره غموضاً دبلوماسياً بناء.

قد تكون أحكامه على صواب. إذا كانت قراءته صحيحة لكوريا الشمالية، كما يبدو، فهل ينبغي الوثوق به مرة أخرى؟.

هل مقاربته عالية الرهان، كما يقول البعض، أخذاً كقياس إيران، مع النتائج المترتبة، بإجراء بعض التعديلات على الاتفاق لتهدئة مخاوف الولايات المتحدة؟.

ربما، لكن نفسية كيم، الزعيم الوحيد المحاصرة بلاده لأكثر من 60 عاماً في عزلة قاتلة، قد تبدو سهلة، بالمقارنة مع إيران اليوم. التاريخ والجغرافيا والاعتبارات الثقافية والفصائل المتنافسة داخل القيادة، تجعل الأمور أكثر صعوبة على من هم في الخارج للتكهن برد فعل البلاد، بما يتجاوز حرق الأعلام احتجاجاً، وأصعب أيضاً على قادتها أن يغيروا المسار بسرعة، حتى لو كانوا يميلون إلى ذلك، أو على الإطلاق.

بالتالي، إذا كان بإمكان ترامب أن يحصل على بعض التنازلات، فهذا جيد، لكن خطر إدخال عنصر جديد من الغموض في وضع إقليمي غير مستقر بدرجة كبيرة، هو أمر مروع. وإذا لم يتمكن الأوروبيون من إقناع طهران بإبقاء جانبها من الصفقة لفترة من الزمن بعد، فإن مغامرة ترامب قد تؤدي إلى اندلاع حريق جديد في الشرق الأوسط، كما أنذرت العملية العسكرية الأخيرة التي حدثت بين إسرائيل وإيران.

قد تكون براعة الاستعراض جزءاً من صورة رئيس أميركي فعال، لكن إصدار الأحكام هو جزء من المعادلة أيضاً، وقراءة سليمة لكوريا الشمالية، لن تكون كافية بحد ذاتها.

 

كاتبة في صحيفة «إندبندنت» البريطانية

تعليقات

تعليقات