التفكير الفقير في الغني

على مدى التاريخ كان هناك دوماً تيار فكري يرى أن حل مشكلات البشر يكون بإعادة توزيع الثروة طوعاً أو كرهاً. وربما كانت المدرسة الاشتراكية في كل أشكالها الماركسية أو الديمقراطية تضع في جوهر تصوراتها لإدارة الدولة أن تحدث عملية إعادة التوزيع هذه إما عن طريق أشكال مختلفة من «التأميم» أو من خلال الضرائب التصاعدية.

وفي الأشكال المخففة من الليبرالية الاقتصادية كانت إعادة التوزيع هذه تتم عن طريق أساليب مختلفة من الحماية الاجتماعية أو الجمعيات الأهلية التي تعتمد على النوازع الطيبة والدينية لدى الأغنياء للقيام بهذه المهمة. وتذخر الكتب المقدسة بذم هؤلاء الذين يكتنزون الذهب والفضة، وتحدثنا عن المصير التعس لقارون وغيره ممن حققوا ثروات طائلة لم تفدهم ولا مجتمعاتهم.

المعضلة هي أن المجتمعات الحديثة باتت مختلفة عما سارت عليها المجتمعات ربما حتى نصف قرن مضى؛ فالأغنياء والمليارديرات لم يعد لديهم بالضرورة لا ذهب ولا فضة ولا مغارة علاء الدين التي تكتنز فيها الأموال والمجوهرات من مرجان وياقوت.

وعندما بات بيل غيتس صاحب مايكروسوفت أغنى أغنياء العالم بثروة بلغت 93 مليار دولار، وعندما اعتلى وارن بافيت المقدمة بثروة قدرها 65 مليار دولار في أحد الأعوام، فإن هذه الثروات جميعاً لا توجد في شكل سائل، أو حتى توجد في البنوك تحت «حساب جاري» وإنما هي كم هائل من «الأصول» والشركات والمصانع والهيئات والجمعيات التي يعمل فيها مئات الألوف ويستخدم منتجاتها الملايين.

ولا يفترق هذا الحال في مصر عنها في بقية أنحاء العالم، حيث إن الخمسة أو الستة من المليارديرات الذين أوردت قائمة «فوربس» أسماءهم تتجسد الأغلبية الساحقة من أموالهم في شكل أصول وشركات وهيئات وتنظيمات إنتاجية وخدمية.

وسواء كانت الثروات في الدولة المعنية أو خارجها، وفي دول غنية أو فقيرة، فإن الثروات لا توجد مع الأغنياء لا توجد بشكل قابل للتوزيع، وإنما هي مندرجة في البنوك أو في استثمارات أو في شركات تأمين تؤمن على هذه الثروات، وكلاهما البنوك وشركات التأمين، يقومان بدورهما بالاستثمار ليس في بلد واحد وإنما على مدى البصر في الكون كله.

وفي عام 1912 قام العالم الإيطالي كواردو جيني بابتكار «مقياس جيني» الذي يمكنه قياس تفاوت الثروة في البلد الواحد ما بين الشرائح العليا والدنيا في الدخل منسوبة إلى الدخل القومي الإجمالي. هذا المقياس رغم التحفظات الواردة عليه من قبل علماء الاقتصاد، فإنه الأكثر ذيوعاً واعتماداً من قبل الهيئات الدولية في قياس قدر المساواة وعدم المساواة في دول العالم.

وفيما يتعلق بمصر فإن هذا المقياس يضعها ضمن الدول «المعتدلة» من حيث توزيع الثروة بقدر 308 نقاط؛ وهذا لا يجعلها ضمن الدول الأفضل توزيعاً للثروة مثل الدول الإسكندنافية وألمانيا وبريطانيا وما مثلها من دول؛ ولكنه يجعل مصر أفضل حالاً من دول كثيرة مثل الولايات المتحدة الأميركية الرأسمالية والصين الشيوعية وتركيا الإسلامية وشيلي المسيحية والهند الهندوسية والبرازيل وقائمة طويلة من الدول، حيث يوجد التوزيع المتوحش فعلاً للثروة بين الفئات الاجتماعية.

النتيجة التي خلص إليها العالم في تجاربه الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية خلال قرنين من تجارب الدول الحديثة كانت أن إعادة توزيع الثروة سواء كان ذلك تحت راية الاشتراكية أو بيرق الرحمة الرأسمالية لا يحل معضلة التفاوت في الثروات بين الأغنياء والفقراء.

ما يحلها فعلا أمرين: أولهما زيادة الثروة أو «الكعكة» الاقتصادية بحيث يكون متاحاً للجميع أغنياء وفقراء قدراً أكبر منها؛ وثانيهما إتاحة الفرصة للفقراء في الحراك الاجتماعي من الفقر إلى الغني من خلال اكتساب المهارات والقدرات التي تتيح لهم الانتقال من شريحة اجتماعية دنيا إلى أخرى أعلى.

كما أن جذب الأغنياء للاستثمار يجعل هذه الفرصة مؤكدة. وفي حالة مصر فإنه ليس مطلوباً هنا إعادة توزيع الثروة ما بين المحافظات الغنية والأخرى الفقيرة؛ وإنما إعطاء الفرصة لهذه الأخيرة لكي تكون أكثر جاهزية لاستقبال الاستثمارات من حيث البنية الأساسية والتعليم والصحة؛ وتشجيع الاستثمارات المحلية والأجنبية من خلال حوافز ضريبية وعينية في الطاقة وغيرها للاستثمار في المناطق الأكثر احتياجاً. ولعل ذلك هو ما تسعى الحكومة حالياً للقيام به بالإضافة إلى إدارة للاقتصاد أكثر رشادة وقدرة على اتخاذ قرارات صعبة لإعطاء الحيوية للاقتصاد.

 

كاتب وخبير اقتصادي

تعليقات

تعليقات