التنسيق الإماراتي - السعودي والعرب

اتخذت كل من دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية، خطوة سياسية تاريخية، بإعلان المجلس التنسيقي الإماراتي ـ السعودي في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والأمنية وذلك لتحقيق هدفين اثنين. الهدف الأول: تسريع وتيرة التعاون المشترك بينهما الذي بدأ مع إعلان عاصفة الحزم في العام 2015 وتبعه الموقف الموحد في مقاطعة نظام الحمدين الذي سعى إلى زعزعة الاستقرار المجتمعي في العديد من الدول العربية من خلال دعم الإرهاب والفوضى إعلامياً ومالياً.

والهدف الثاني: إقليمي يتمثل في محاولة إحياء مشروع قوة إقليمية عربية للتعامل مع التحولات الاستراتيجية الخطيرة في المنطقة والعالم، فالمنطقة العربية لم تمر بهذه الحالة من التراجع السياسي حتى أصبحت عاجزة عن اتخاذ قرارات تحافظ على مكتسباتها السياسية بل أصبحت ساحة للتنافس الدولي والإقليمي.

بدون شك أن الأزمات والمشكلات المختلفة التي يواجهها العرب ليس مصدرها أن هذه الدول المنتمية إلى هذه المنطقة العربية ضعيفة من حيث: الإمكانيات الاقتصادية والعسكرية، نوعاً وكماً، ولكن في الحقيقة الضعف مصدره القرارات السياسية، والتردد في مواجهة بعض المواقف (التحديات) المصيرية مثل: مواجهة تيار «الإخوان المسلمين» الذي ما زال يسعى إلى الفوضى في كل الدول العربية، وكذلك الوقوف بوجه الطموحات السياسية لإيران ولتركيا في المنطقة العربية، بالإضافة إلى «الصمت العربي» عما يحدث من تغييرات جيوسياسية لوضع مدينة القدس وغيرها من الأزمات مثل الأزمة الليبية والسورية.

إن الجسم السياسي العربي ممثلاً في الجامعة العربية أصبح بلا قوة للدفاع عن مصالح شعبه ولا تحفيز العرب على إيجاد قرار موحد تجاه التحديات لأن هناك من أعضاء الجامعة من يراهنون على الدول غير العربية في الحفاظ على مصالحهم بل إنه، وللأسف، أصبحت بعض من الدول والأحزاب العربية جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تقدم حلولاً وكأن ما يخص الشعوب العربية لا يعني أحداً، لهذا يمكن النظر إلى التنسيق الإماراتي ـ السعودي باعتباره ممثلاً للحلم العربي بشأن التكامل العربي في كل المجالات.

في نظر المراقبين الموضوعيين يمثل التعاون الإماراتي ـ السعودي وحدة صمام الأمان للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي العربي والدفاع عن مصالح الشعوب العربية التي تهددها حالة تراجع القرار السياسي العربي وذلك من خلال العديد من المبادرات الجريئة منها: قرار مساعدة المملكة الأردنية في مواجهة بقايا "الإخوان" وكذلك قرار عدم الاعتماد على الغرب الذي لم يعجب بعض القوى الإقليمية وربما الدولية وبعض التيارات الدينية من أصحاب الأجندات السياسية في المنطقة.

منذ بروز فكرة التعاون الاستراتيجي (الثنائي) بين دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية من خلال «تحالف الحزم والعزم» كانت هناك أصداء التفاؤل الإيجابي على البيئة السياسية العربية، وقد وجدت تلك الفكرة التفافاً من الرأي العام العربي حول المواقف التي أبدتها قيادة البلدين حول القضايا المصيرية، وهو ما يسمح لنا كمراقبين تابعوا مسيرة هذا التعاون أن نقول بأننا أمام مرحلة جديدة في عالمنا العربي من التعامل السياسي المختلف تماماً في خدمة الشعوب وفي الدفاع عن الأمن القومي العربي والخليجي عما كانت عليه خلال السنوات السبع الماضية على الأقل.

هذا التنسيق والتعاون تسوغ لنا أن نقول بأن هناك حالة من الرغبة للاستفادة من الوفاق السياسي الكبير بين الدولتين لتشكيل نواة قوة سياسية وعسكرية وثقافية واقتصادية عربية لأن ما يحدث في هذه المنطقة يمثل قلقاً وإزعاجاً ليس فقط لدى صانع القرار العربي وإنما الرأي العام العربي الذي يرى أن هناك تردداً من قادته في تحديد مصادر التهديد لاستقراره الداخلي والعربي، بل إنه من المؤسف أن يتعاطف البعض من أبناء الوطن مع الطموحات السياسية الإقليمية تحت مسميات إما دينية أو طائفية الأمر الذي استدرج حروباً أهلية بين شعب الدولة العربية الواحدة، العراق واليمن، لذا فإن التوقع أن يمثل هذا التنسيق بين القيادتين قاطرة للتحول الاستراتيجي في النظام الخليجي ومن ثم العربي.

وسط حالة من اللا يقين العربي في العديد من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تجتاحه ويثير حالة من الاستياء في الشارع العربي، يبرز الضوء في المواقف الإماراتية والسعودية لإعادة القرار السياسي العربي الأمر الذي يشي بتحول قادم يغير الكثير من الانطباعات السائدة عن الموقف العربي الذي تسبب تراجعه بخسارة الكثير من مكتسباته.

رغبة «تفعيل» القرار العربي لدى الدولتين من خلال التنسيق الثنائي أولا لم تكن مفاجئة، وإنما هي نمت وفق مواقف متعددة ونضجت معها إلا أن الشمولية في هذا التنسيق الأخير هو الأحدث والأهم.

 

 

تعليقات

تعليقات