استراتيجية الأمن الأميركي والمنطقة

تعودت الإدارات الأميركية منذ زمن، على نشر استراتيجية الأمن القومي بين الفينة والأخرى، لإعلان اهتمامات ورؤى استراتيجية الأمن القومي لكل إدارة. وقد نشرت إدارة الرئيس دونالد ترامب، استراتيجية الأمن القومي في ديسمبر الماضي. وقد أعلن الرئيس الأميركي من خلال هذه الوثيقة، عزمه لتنفيذ وعده بجعل أميركا عظيمة مرة أخرى.

منطقة الشرق الأوسط تاريخياً، تحتل مكانة مهمة في الاستراتيجية الأميركية، منذ أن أعلن الرئيس هاري ترومان في 6 أبريل 1946، أن منطقة الشرق الأوسط «تحتوي على ثروات طبيعية كبيرة. وتمتد على أنسب الطرق البرية والجوية والمواصلات المائية». فعليه، نجد أن حظ المنطقة من استراتيجية الأمن القومي، كان أيضاً مساوياً لهذه الأهمية.

وتقول الاستراتيجية القومية، إن الولايات المتحدة تسعى إلى شرق أوسط لا يكون للإرهاب مرتعاً. ولا أن تكون المنطقة تحت سيطرة أي قوة معادية، وأن تسهم المنطقة في تدفّق الطاقة بشكل آمن ومستمر. وترى الوثيقة الاستراتيجية، أن المنطقة تعاني، ومنذ سنوات، من التمدد الإيراني، وسقوط الدول والإرهاب، والركود الاقتصادي والاجتماعي، والتنافس بين الدول، والذي أدى إلى دخول المنطقة في أتون الحروب والعنف.

وفي إشارة ناقدة لإدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما السابقتين، فإن الوثيقة تقول بأن نشر الديمقراطية والعزلة من المنطقة، لا تضمن المصالح الأميركية في المنطقة. وعلى هذه الإدارة أن تتحلى بالواقعية السياسية، لما يمكن أن تؤول إليه المنطقة، دونما أن نعرقل الأمل في تحول المنطقة إلى إقليم يتسم بالحداثة والتطور.

وتشخص الوثيقة أن المنطقة تعاني من عدة مشكلات. أول العلل في المنطقة، هم الإرهابيون، والذين طالما عشعشوا في المنطقة. فالمنظمات الإرهابية، مثل القاعدة وداعش، يزدهران في بيئة العنف وعدم الاستقرار، ويصدرون الإرهاب إلى مناطق العالم. كما أن إيران، الداعم الرئيس للإرهاب في المنطقة، تكسب أرضية جديدة، بسبب عدم الاستقرار وتمويل الإرهاب وتصدير السلاح، ودعم الجماعات المارقة. كما أنها تطور من صواريخها الباليستية إلى مدى أبعد. كما أن إيران تطور من قدراتها الاستخباراتية ومهاراتها في الحرب السيبيرية التخريبية. ورغم الاتفاقية النووية، والتي وقعت في 2015، إلا أن إيران ما زالت تلعب دوراً تخريبياً في المنطقة.

ورغم أن المنطقة تعج بهذه التحديات، إلا أن هناك كثيراً من الشركاء، والذين يشاطرون الولايات المتحدة في مصالحها، وينبذون التطرف والإرهاب. ويسعون إلى التنمية، وأن تستقر المنطقة ويعم الرخاء فيها. فالرخاء والاستقرار سيقوضان النزاعات والتطرف والعنف الطائفي. وتؤكد الوثيقة، قدرة الولايات المتحدة، بالشراكة مع أصدقائها والذين يسعون للتغيير والتطور والإصلاح، بتعزيز السلام والرخاء والاستقرار، وتحقيق ميزان القوة في صالح الولايات المتحدة.

ولمواجهة معضلات المنطقة، تعلن الوثيقة عن القيام بأولويات سياسية لمواجهة كافة التحديات والمخاطر في المنطقة. وتقسم المقاربة إلى أربعة محاور: السياسة، الاقتصاد، والأمن والمحور العسكري.

ففي المحور السياسي، تروم الوثيقة إلى تقوية وتعميق التحالفات السياسية مع الدول الصديقة للولايات المتحدة، وتكوين تحالفات جديدة لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. ومتى ما كان ممكناً، ستشجع واشنطن الإصلاح السياسي التدريجي. كما أنها ستدفع حلفاءها من دول مجلس التعاون، إلى مزيد من الاندماج، وتزيد من تعاونها معهم.

وتعرج الاستراتيجية على العلاقات مع العراق على المدى البعيد. وتدعو إلى تعميق العلاقات الاستراتيجية مع العراق، كدولة مستقلة. كما تدعو الاستراتيجية إلى حل سلمي للحرب الأهلية في سوريا، والعمل على إعادة اللاجئين إلى أوطانهم، وتحقيق الأمن والاستقرار لهم ولذويهم.

وفي مضمار السياسة، ترى الوثيقة أنه من المهم منع إيران من الحصول على قنبلة نووية، وتحييد سلوك إيران المخرب في المنطقة. وأخيراً، ترى الاستراتيجية، ضرورة إيجاد حل سلمي للنزاع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، يكون مقبولاً لدى الطرفين.

وفي المحور الاقتصادي، فإن الوثيقة الاستراتيجية، ترى ضرورة حل تفاوت الدخل والفرص، والذي يستغله الإرهابيون لاستقطاب المقاتلين. كم تصر الوثيقة على لعب دور في تشجيع دول المنطقة لتحديث اقتصاداتها. والتعجيل بعمليات الإصلاح، وانتهاج اقتصادات السوق والمجتمع المنفتح.

أما في المحور الأمني والعسكري، فترى الاستراتيجية، ضرورة تعزيز الوجود العسكري الأميركي لمواجهة الإرهابيين، ومساعدة الدول الصديقة لتحقيق الأمن، وتقوية الميزان العسكري لصالح الولايات المتحدة. كما أن الولايات المتحدة ستعمل على تقوية المؤسسات الأمنية والعسكرية، وخاصة في مجال مكافحة الإرهاب والتمرد.

كما أن الولايات المتحدة ستقدم منظومة مضادات للصواريخ لدول المنطقة لمواجهة الصواريخ البالستية المعادية. ويظل سلوك إيران في المنطقة المزعزع للاستقرار، من أهم الأمور التي يجب مواجهتها مع شركائنا في المنطقة.

ورغم أن الاستراتيجية واضحة، إلا أن السياق السياسي غير مواتٍ، بسبب مشاكل سياسات البيت الأبيض، الذي لا يحسب خطواته بشكل دقيق.

 

كاتب وأكاديمي

تعليقات

تعليقات