أميركا وأوروبا وخصومة قادمة

لم يعد احتمال حدوث صراع بين الولايات المتحدة وأوروبا نتيجة قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الأساطير السياسية بسبب طبيعة العلاقة التحالفية بين القارتين منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، وخاصة بعد خروج بريطانيا، عراب السياسات الأميركية، من الاتحاد الأوروبي حتى صارت السياسات الأوروبية شبه فردية، ولكنها تجمع على رفض ما يفعله الرئيس ترامب.

يتفق أغلب المراقبين أن الأول من يونيو 2018، وهو اليوم الذي دخلت فيه التعرفة الجمركية الأميركية حيز التنفيذ على الصلب والألمنيوم القادمين من دول أوروبا وكندا، هو بداية حرب تجارية عبر دول حلف شمال الأطلسي «ناتو» بعد أن كانت مع الصين العدو الأول للتجارة الأميركية، وهي حرب جديدة من شأنها تهديد استقرار العلاقات الأميركية الأوروبية في العديد من الملفات الدولية، بما فيها الملف النووي الإيراني، ولا سيما لدى بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا.

هناك رفض من الكثيرين من الزعماء الغربيين لتوجهات الرئيس ترامب في الداخل الأميركي وخارجه، سواء في الانسحاب من الاتفاقية المناخية أو الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، إلا أن التعرفة الجمركية ضد الأوربيين ربما هي القشة التي سوف تقصم ظهر ذلك الاسترخاء في العلاقات، لأن حجم الأضرار التي يمكن أن تسببها على البلدان الأوروبية كبير، وخاصة أن العقوبات على إيران سوف تؤثر على الاقتصاد الأوروبي، ما يجعلنا نترقب موقفاً غربياً في مراجعة نهج التعامل مع سياسات ترامب.

من المؤشرات المهمة على أن استقرار العلاقة الأميركية الأوروبية لن يستمر بسبب تردد الأوروبيين في اتخاذ قرار سريع ومباشر ضد إيران، أنه بات هناك مصلحة أوروبية تختلف عن مصلحة دول حلف شمال الأطلسي «ناتو»، وبالتالي فإن المصالح لم تعد متوافقة كما كانت على مدى أكثر من سبعة عقود.

هذه الخلافات تمهد لتراجع مكانة روسيا بوصفها عنصراً مهدداً استقرار أمن أوروبا، وهي النقطة المركزية في العلاقة الاستراتيجية لدول حلف الأطلسي، وبالتالي ظهور خلافات قد تعيد تشكيل التحالفات، لكن هذا أيضاً لن يحدث في وقت قريب، وإنما يحتاج الأمر إلى بعض الوقت على الأقل لحين انتهاء الفترة الرئاسية الأولى للرئيس ترامب، حيث ستتضح الاستراتيجية الأميركية تجاه حلفائها الاستراتيجيين.

المهم في كل هذا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وفريقه السياسي، وخاصة وزير خارجيته سيرجي لافروف، لن يفوتوا فرصة وضع الإدارة الأميركية في «مأزق سياسي» مع دول أوروبا، لهذا نجدهم يقومون بدور مهم في دعم المواقف الأوروبية ضد سياسات ترامب المنفردة، مستغلين تتابع الزعماء الأوروبيين إلى الكرملين للتنسيق مع بوتين، ومستغلين، أيضاً، استياء دول العالم من سياسات ترامب المضرة باقتصادهم، حيث زار روسيا كل من رئيس الوزراء الهندي ناريندار مودي، ورئيس وزراء اليابان.

هذه كلها مؤشرات على الرغبة في عمل توازن بين سياسات ترامب مع دول كبرى أخرى في العالم، ومحاولة لإفشالها أو تعديلها، وخاصة أن لبوتين مهارات سياسية أكدت قدرته على اتخاذ مواقف مؤثرة ومضرة للسياسة الأميركية، مثل محاولات عزل جزيرة القرم، وكذلك ضم جورجيا إلى حلف الأطلسي.

الحفاظ على أمن أوروبا الغربية كان من الأمور غير القابلة للنقاش، وأي طرح فيها يعد من الأساطير السياسية، وخاصة أن أي خلاف يعني الاستعانة بخصم الولايات المتحدة، وهي روسيا، ولكن بما أن الإدارة الأميركية لم تعد تهتم بالتزامات استقرار أوروبا اقتصادياً وأمنياً، وصار شعارها «أميركا أولاً» فإن مصارحة الأوروبيين بمواقفها لواشنطن بأن مصالح الأوروبيين أولاً أمر يعني أنها قررت الدخول في صراع مع الولايات المتحدة.

بين حملات طرد الدبلوماسيين الروس من دول الاتحاد الأوروبي بعد محاولة اغتيال الجاسوس الروسي سيرجي سكريبال في لندن، وبين بدء سريان التعرفة الجمركية، قبل أيام، حدثت الكثير من التفاصيل في العلاقة الأوروبية-الأميركية تسببت في العديد من الارتباكات السياسية تجعلنا نترقب أن هناك شيئاً ما سيستجد في هذه العلاقة!!

تعليقات

تعليقات