رُب خطة خير من ألف صدفة

قيل إن أعظم مكتشف في التاريخ هو الصدفة، فهل صحيح أن الصدفة لها دور كبير في تغيير مجريات الأمور؟، يبقى هذا السؤال مرتبطاً بسؤال آخر، ما علاقة الصدفة بالحظ؟، وهل لأحدهما تأثير في الآخر؟!

كثيرة هي الاكتشافات التي تم اكتشافها بالصدفة، فمثلاً تم اكتشاف إشعاع اليورانيوم، والذي اكتشفه هنري بيكيريل، الذي كان يحاول صناعة مواد تنتج أشعة إكس، اعتماداً على ضوء الشمس، ولأن الطقس كان غائماً لأيام عديدة، وضع هنري كل عدة العمل في خزانة، ومن بينها قطعة يورانيوم وأفلام تصوير فوتوغرافي، وبعد أسبوع، اكتشف أن قطعة اليورانيوم طبعت صورتها على فِلْم قريـب، من دون تعريضـه لأي ضوء، ومن هنا، اكتشف أن اليورانيوم مصدر للإشعاع، وتم تطوير إشعاعاته مع مرور الزمن، ليصل لأن يكون عنصراً أساسياً في عوالم الطاقة النووية.

الحقيقة أن هنري لم يكتشف إشعاع اليورانيوم صدفة، فهو كان يحاول أساساً أن يكتشف اختراعاً آخر، ولكن الصدفة قادته لإشعاع اليورانيوم، ومن هنا، يمكننا القول إن الصدفة ليست نتيجة السكون، إنما هي نتيجة عمل دؤوب، يقودنا لنجاحات أوسع، فالصدفة تأتي نتيجة التقاء واقعتين، لا يوجد بينهما رابط، كما يراها الفيلسوف وعالم الرياضيات أنطوان أوجوستان، فهنري كان ينوي اكتشاف كيفية الحصول على أشعة إكس، اعتماداً على ضوء الشمس، فاكتشف أن لليورانيوم أشعة هو الآخر، بعيدة كل البعد عن أشعة الشمس.

قبل أيام، شاهدت صورة للشيف التركي الشهير نصرت غوكشيه، وهو يرش الملح على كأس الأبطال الأوروبية، مشاركاً احتفالات نادي ريال مدريد الإسباني بالفوز بالبطولة الأغلى أوروبياً للمرة الثالثة على التوالي، وقد كتبت الكثير من التعليقات على هذه الصورة، ووصفوا الشيف أن الصدفة هي من صنعته، وأن حركته الغريبة في «رش الملح» هي سبب شهرته، وهي من أوصلته للعالمية، وهي العلامة الفارقة التي جعلت منه مشهوراً إلى هذا الحد، ولكن هؤلاء المعلقين، بسبب جهلهم بحقيقة الأمر، أوعزوا أن سبب نجاح الشيف هي الصدفة، بينما في الحقيقة، أن هذا الطباخ استعان بشركات عالمية تعمل في مجال PR لرسم ملامح شخصيته التسويقية، ليصل لهذا الحد من الشهرة، فالموضوع ليس برشة الملح، ولا بالصدفة، إنما بالعمل والخطة للوصول للهدف، فكم من شخص حول العالم يرش الملح الآن، وأنت تقرأ المقال، ولم يصل لما وصل إليه الشيف التركي.

كثيرة هي الشخصيات التي تمر علينا في حياتنا، ونقول إن الصدفة هي من صنعتهم، وأنه لو كنت مكانه لفعلت ما هو أكثر وأكبر مما هو فعل!!، وكلما وجدنا شخصاً ناجحاً في حياته، نقول إن الصدفة الفلانية هي من قادته لعالم النجاح، وربما تكون هذه اللحظة، هي واقع أمر، جعله يبدأ مشوار النجاح في حياته، ولكن هناك سلسلة من التجارب من المحاولات، هي من قادته إلى هذه الصدفة، والتي غيرت حياته.

ولهذا، أنا أعرّف الصدفة، على أنها «تاريخ من التجارب والمحاولات والعمل الدؤوب، تقودك لأن تلتقي أنت والنجاح في نقطة واحدة في ساعة واحدة في حدث واحد، يغيّر مجرى التاريخ»، وهذه الحادثة تحدث لكل شخص في هذا العالم، ربما حدثت لك اليوم أو بالأمس، ولكن أنت لم تكن مستعداً كفاية، لأن تصنع منها معجزة تُغيّر حياتك، ربما في المحاولة القادمة ستلتقي بالنجاح عند مفترق طرق واحد، وتسيران في نفس الاتجاه، وتمضي حيثما تريد.

أحياناً تقودك الصدفة لاكتشاف ما لم تكتشفه بنفسك، ربما يمر عليك موقف ترى أنه عابر، ولكن سرعان ما تكتشف أنك موهوب في أمر ما، وحينها، ستكون أمام خيارين، إما أن تؤمن بأنك موهوب، وتستثمر موهبتك، أو أن تتجاهل التقاء الصدفة بموهبتك، وتتركها خلفك، وتستمر في البحث عنها مرة أخرى، ولكن هيهات أن تعود بسهولة، فأنت من فرطت بها قبل قليل بسهولة.

يبقى الواحد منا يحاول كل يوم أن يلتقي بالنجاح في حياته المهنية أو الأسرية، أو أياً كانت طبيعتها، ولكنه يفشل، ويبقى ينتظر تلك الصدفة، ولكن علينا أن نعلم جيداً، أن هذا الزمان الذي نعيشه اليوم، الصدفة فيه احتمالاتها ضئيلة جداً، فكل ما في واقعنا يدار عبر خطة، بل خطة محكمة، لا تترك للصدف أن تتحكم فيها، وإن كانت الصدفة قد أسست لموعد بينك وبين نجاحاتك، فيجب عليك أن تُجهز الخطة لتستثمر هذه النجاحات وهذه الفرص، لتكتب فيها تاريخك، وتصنع من خلالها أمجادك التي تريدها.

وعلينا أن نعي تماماً، أننا نحن من نحجز موعداً من أي شيء نريده، تريد النجاح، حاول لكي تصله، ففي إحدى المحاولات، حتى وإن كانت المحاولة رقم مليون، ستصل، وإن كنت تريد الفشل، فما عليك إلا أن تسترخي وتأخذ نفساً عميقاً قبل النوم، وتنتظر أحلامك الوردية، والتي ستبقى حبيسة ساعات النوم، دام أنك قد أطفأت أنوار الأمل أمام عينيك، فجعلتها حبيسة ظلام الفشل.

من الآن فصاعداً، افتح الستار، افتح النوافذ، وقبل أن تفتحها، اكتب في مدونتك أنك تريد أن تفتحها، واكتب خطة لحياتك تحقق من خلالها ما تريد، ولا تعتمد على وصفات مقدرة في صناعة النجاح، بل دوّن مقادير وصفتك بدقة، حيث لا تترك للصدفة أي مجال في أن تتدخل بحلمك أو في هدفك، فرُب خطة، خير من ألف صدفة.

تعليقات

تعليقات