الأميرة ميغان بين الرمزية والواقع

ذكرتني تعليقات المراقبين على انضمام ميغان ماركل للعائلة المالكة البريطانية بالتعليقات التي انتشرت في صحف العالم عقب انتخاب باراك أوباما رئيساً لأميركا عام 2009، ففي الحالتين انطوت تلك التعليقات على تفاؤل غير محسوب بشأن المسألة العرقية في بريطانيا والولايات المتحدة.

فكثيرة هي التعليقات حول العالم في الصحف والإعلام المرئي التي اعتبرت زواج الأمير هاري من ميغان ماركل مزدوجة العرقية، أي من أب أبيض وأم سوداء، سيؤثر ليس فقط على العائلة المالكة، وإنما ستكون له تأثيراته الإيجابية على مجمل أوضاع الأقليات والمسألة العرقية ببريطانيا.

والحقيقة أن تلك التعليقات تشبه إلى حد كبير تلك التي ملأت الدنيا عشية انتخاب باراك أوباما رئيساً، التي وصلت لحد اعتبار الولايات المتحدة قد دخلت ما أطلق عليه المراقبون عصر «ما بعد العرقية»، وقتها كان واضحاً للمتخصصين أن تلك تعليقات ليست مبنية على أي أساس موضوعي، فأوباما كان قد فاز في الانتخابات ليس لأنه أسود، وإنما على الرغم من كونه أسود فهو كان قد قدم نفسه عمداً طوال الحملة الانتخابية لعام 2008 بوصفه «استثناء»، فهي لم تكن مصادفة أن ركزت دوماً على أنه خريج جامعة هارفارد العريقة، وكونه تولى تحرير إحدى أهم دورياتها القانونية، فمثل هذا الخطاب غير مألوف في حملات الرئاسة، إذ عادة ما يسعى المرشح لأن يتجنب التركيز على كونه خريج إحدى جامعات القمة لئلا يبدو كأنه يعيش في برج عاجي يعجز معه عن فهم هموم الناخب العادي، بل أكثر من ذلك، لم تكف حملة أوباما عن تذكير الناخبين بالتعددية العرقية والثقافية لنشأته، فهو من أب كيني أسود هاجر لأميركا، وأم بيضاء من ولاية كنزاس، إحدى قلاع المحافظين، وأسهمت جدته لأمه البيضاء في تربيته بولاية هاواي، بعبارة أخرى فإن أوباما كان يوجه للأميركيين رسالة مؤداها أنه «ليس أسود عادياً»، صحيح أن أباه أسود إلا أنه ليس من سلالة من استقدموا مكبلين بالأغلال لاستعبادهم، وإنما هو «مهاجر» جاء طوعاً إلى أميركا، وعليه فإن أوباما جزء من «الحلم الأميركي» المرتبط بالمهاجرين لا بكابوس العبودية وإرث العنصرية بمراراتها، وهو على ذلك ليس «أسود» بالمعنى المتعارف عليه، والصورة النمطية السلبية لهم في أذهان البيض، وإنما هو ابن مهاجر جاء طوعاً فحقق ابنه الحلم الأميركي، حيث تعلم في أفضل الجامعات وصار عضواً بمجلس الشيوخ، غير أن الأهم من هذا وذاك أن أوباما لم يتخذ طوال حملته الأولى، والثانية بالمناسبة، أي مواقف صريحة في دعمه لحقوق الأقليات، بل كان ينأى بنفسه عن الأقلية السوداء تحديداً، واحتفظ بمسافة واسعة بينه وبينها، بل أعلن انفصاله عن الكنيسة السوداء، المؤسسة الأهم في تاريخ الجماعة السوداء وثقافتها ومقاومتها العنصرية والاضطهاد، ثم جاءت سنوات حكم أوباما الثماني لتثبت صحة هذا التحليل، فعلى الرغم من أن الجانب الرمزي كان بالغ الأهمية بالنسبة للأقلية السوداء تحديداً، حيث صار توليه الرئاسة مصدر فخر لجماعة عرقية عانت طويلاً من الاضطهاد، فإن الرجل لم يقدم الكثير للأقليات عموماً، والأقلية السوداء تحديداً، بل اختارت أميركا بعده رئيساً معادياً بشكل صريح للأقليات، بما يعني أن حكاية «ما بعد المسألة العرقية» لم يكن لها أساس أصلاً.

وإذا كان الحال كذلك مع الرئيس الذي حكم أميركا فعلياً ثمانية أعوام كاملة، وله سلطات فعلية تمكنه من اتخاذ القرار، فإنه ينطبق بدرجة أكبر على العائلة المالكة البريطانية التي تملك ولا تحكم.

وقد جاء العرس الملكي بعد أسابيع قليلة من انفجار الأزمة التي عرفت بأزمة «جيل ويندراش»، وهم الآلاف من مهاجري دول الكاريبي الذين وصلوا منذ 1948 وحتى السبعينيات، بدعوة صريحة من الحكومة البريطانية وقتها للمشاركة في بناء بريطانيا بعد أن دمرتها الحرب العالمية الثانية وواجهت ندرة في العمالة، وهي الأجيال التي وجدت نفسها مع سياسات الهجرة التي اتبعتها حكومات المحافظين المتعاقبة يعاملون من دون رحمة في السكن والرعاية الصحية بعد أن بلغوا الشيخوخة وصاروا في أمسّ الحاجة لبرامج دولة الرفاهية.

وكان واضحاً طوال الأزمة أن المسألة العرقية حاضرة بشكل لا تخطئه العين.

ومثلها مثل الولايات المتحدة فإن العنصرية المؤسسية في بريطانيا لا يمكن أن تنتهي بين ليلة وضحاها، غير أن هذا لا يعني أن الجوانب الرمزية ليست ذات قيمة، فالعرس الملكي انطوى على جديد، لعل أكثره أهمية هو ما ارتبط بالكنيسة السوداء الأميركية التي هي في الحقيقة رمز مقاومة الاضطهاد والعنصرية.

والعائلة المالكة البريطانية ذات أدوار شرفية، ولكنها تمثل، أيضاً، رمزاً مهماً لبريطانيا، ومن هنا، فقد يكون لدور الأميرة ميغان تأثير رمزي له دلالاته، لكن التحول الموضوعي بالنسبة للمسألة العرقية مرشح لأن يكون أضعف بكثير حتى من التحول الضعيف أصلاً الذي أحدثه أوباما.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات