وقفة مع نظرية المؤامرة

ت + ت - الحجم الطبيعي

تذيع نظرية المؤامرة في الدول المتخلفة، وحتى في البلدان المتقدمة، فإنها توجد عادة في القطاعات أو المناطق الأقل تقدماً، والتي تبحث لنفسها عن أعذار خفية لتخلفها.

جوهر نظرية المؤامرة لدينا، أن الآخر، أياً كان، يكرهنا، مرة لأننا عرب، ومرة أخرى لأننا مسلمون، ومرة ثالثة لأن لدينا نفط، ومرة رابعة لأن لدينا أموال، ومرة خامسة لأننا فقراء وضعفاء، إنها الكراهية وكفى، ممتدة منذ الحروب الصليبية، وربما قبلها أيضاً.

هذه الصفات جميعها تجتمع لدى اللاعب المصري محمد صلاح، فهو مصري وعربي ومسلم، ولديه مال، وهو القادم من قرية نجريج الفقيرة، مثل الغالبية من قرى مصر.

ومع ذلك، فإن الرجل محبوب إلى الدرجة التي جعلت جماهير في «ليفربول»، التي لم يسمع بها لا المصريون ولا العرب ولا المسلمون إلا منذ فترة قصيرة، يغنون من أجله أغاني كثيرة، تشيد به وموهبته وقدراته.

أكثر من ذلك، فإن ذات الجماهير في المدينة البعيدة في قلب المملكة المتحدة، منحته لقب «ملك مصر»، ليس لأنهم يعتقدون أن مصر دولة ملكية، وإنما لأنهم يربطون بين قدرات اللاعب والقدوم من حضارة عظيمة، كان الغرب هو الذي اكتشفها وفك طلاسمها وقدمها لنا، لكي نعرف الكثير عن أصولنا.

أصبح الفراعنة حاضرين، ليس فقط في الملاعب البريطانية، وإنما في الملاعب المصرية أيضاً!

محمد صلاح يفعل كل ما يثير السخط عليه، لو أن نظرية المؤامرة على العرب والمسلمين قائمة. فالرجل يدخل الملعب وهو يبسمل ويحوقل، داعياً الله عز وجل أن يوفقه في مباراته التي يدخل عليها.

هو يفعل ذلك بنوع من التسليم الجميل، الذي يعطيه سماحة محببة، فرغم قدراته الرائعة، ورغم ما يتعرض له من برنامج تدريب قاسٍ، ورغم التزامه التام في ذهابه ورواحه، فإنه يتوجه إلي الله بالدعاء، طلباً للعون والبركة. مثل ذلك في دول الغرب، ليس نوعاً من التواكل، وإنما هو تأصيل للتواضع، وكبح الغرور، ومنع الغطرسة.

الهيئة، جعلت محباً مثل كاتبنا القدير صلاح منتصر، يخاف عليه من هيئته، حيث اللحية والشعر الكثيف، حتى لا تختلط الأوراق بين السماحة والإرهاب لدى الجماهير الغربية، التي استبدت بها الظنون بكل عربي ومسلم. ولكن صاحبنا لا يحتاج إثباتاً على صلاحه من أحد، وربما لديه من الثقة في المجتمع الذي يلعب فيه، أن لديه القدرة على التمييز بين الإرهابيين والصالحين.

سجود اللاعب عقب كل هدف، شكراً لله، لم يكن صلاة من أجل عملية انتحارية، وإنما كانت شكراً على أداء الواجب، والقيام بما يجب عليه من تقديم المتعة، وتجسيد العبقرية الرياضية. لدى الجمهور كانت الحروب الصليبية قد انتهت، أو أنها توقفت عند من يعمل ويجاهد ويسجل الأهداف، وأكثر من ذلك، يعرف المقاصد أيضاً.

في أوروبا والبلدان المتقدمة (!)، يعرفون الأصول جيداً، ولا تختلط لديهم الأمور إلا في أوقات تغيم فيها المعلومات، وفي ما يتعلق بصلاح، فإن تقييمه جاء من أفعاله، سواء كانت تلك التي يفعلها في مصر، من مقاومة المخدرات، أو تقديم العون لتقدم قريته.

صلاح لم يبتعد ولم يتنكر، وبالمقارنة بلاعبين آخرين، أوروبيين وعرب، فإنه يعرف معنى أن يكون خيراً وبناء ووطنياً متحمساً، قاد فريق بلاده إلى كأس العالم بعد ٢٨ عاماً من الغياب، ومصمم على أن يكون لمصر مكانة عندما تبدأ المباريات في موسكو.

سليل الفراعنة، هو الصورة المتقدمة للمصريين والعرب، عندما يكدون ويعملون ويكافحون ويطلبون العلا والمجد يوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام.

الصلوات ليست نوعاً من النفاق الديني للذات أو للحكم على الآخرين بالزيف في المعتقد، وإنما هي بحث إنساني عن السلام الروحي، الذي لا ينفي حق الآخرين في نفس البحث.

يكفي علاقته الوثيقة بالأطفال، سواء كانوا في مصر أو في بريطانيا، لأن البراءة تكفي لبث نفحات وتجليات العلاقة الإنسانية.

هل تذكرون ذلك المشهد الذي ذهب فيه لاعبنا إلى الطفل الذي طلب منه رداءه لكي يمنحه إياه، فتنفجر الجماهير بالتصفيق والغناء، تحية وتقديراً. صلاح وضع يده على سر أسرار العلاقة بين العرب والمسلمين والعالم، فإذا كنا نريد مكاناً حقاً في دنيانا، فإن الدنيا سوف تعطينا ما نريد من مكانه، إذا عملنا ما يعملون، واجتهدنا كما يجتهدون، وقدمنا للإنسانية من العلم والتكنولوجيا، وحتى من التراث، ما يقدمون، بما فيه تراثنا نحن، الذي كان يوماً ما من بناة الحضارة البشرية.

قولي هذا ليس جديداً على أحد، ولكن هناك بيننا من يعتقدون أن الكراهية لنا هي نوع من الأقدار المحتومة والقضاء النافذ، وربما آن لهم تأمل هذا النوع من معالجة مشاعر سلبية، بدلاً من اعتبارها نوعاً من ثوابت الطبيعة التي يستحيل تغييرها.

طباعة Email