الاستشراق والسياسة

رحل عن الدنيا المستشرق البريطاني-الأميركي برنارد لويس يوم السبت 19 مايو الجاري عن عمر ناهز 101 عام. فقد وُلد لويس في 31 مايو 1916 من أسرة بريطانية يهودية في لندن. وقد بدا نبوغه في اللغات مبكراً وتعلّم عدة لغات منها العبرية واليونانية واللاتينية. كما لمح شغفه بالتاريخ منذ الصبا حين قرأ تاريخ اليهود الذي كان يجهل الكثير منه.

ويعتبر لويس من أهم وأكبر مستشرقي عصره والذي امتد إلى قرن من الزمن وعاصر أهم الأحداث التي شكلت الشرق الأوسط الحديث. وقد شارك في أحداث التاريخ التي أثرت في المنطقة، حيث استقطب للعمل من قبل الاستخبارات البريطانية في الحرب العالمية الثانية بوصفه خبيراً في منطقة الشرق الأوسط.

وعندما وضعت الحرب أوزارها عاد لويس إلى الحقل الأكاديمي كأستاذ في جامعة لندن وفي كلية الدراسات الشرقية والإفريقية، وبدأ بإنتاجه الفكري حول الإسلام والشرق الأوسط. وكان من أول منشوراته كتاب حول جماعة «الحشاشين»، والذي أسس لولعه بالتطرف في التاريخ الإسلامي.

وينطلق لويس من قاعدة إبستمولوجية حول دراساته عن الإسلام وعلاقاته بالغرب أن المسلمين فريدين في ولائهم الديني، وإن كافة الولاءات العرقية والإثنية والوطنية ليس لها ذاك التأثير على سلوكهم السياسي. ولفهم ما يحصل في المنطقة، خاصة في علاقتها مع الغرب فإن العامل الديني يحدد طبيعة، بل وكينونة هذه العلاقة.

وعند تناوله العلاقات الشائكة بين الإسلام والغرب، يرى لويس أن الخلاف والصراع مردّه حضاري وليس الاختلاف حول المواقف السياسية أو الاستعمار أو حتى خلاف أيديولوجي. وقد كان لويس أول من صكّ عبارة «صراع الحضارات» قبل أن يستخدمها صامويل هانتنغتون في مقالة شهيرة عن العلاقات الدولية بعد الحرب الباردة.

وقد أصبح لويس من أهم الخبراء الذين يستشارون بشأن قضايا الشرق الأوسط، خاصة بعد انتقاله إلى الولايات المتحدة في عام 1974. وكان له تواصله مع السيناتور الديمقراطي هنري جاكسون والمعروف بتشدده في الحرب الباردة ومساندته لإسرائيل، وأحد أساطين المحافظين الجدد. وقد تعزز دور لويس السياسي بسبب هذا التواصل، وشرع في تقديم شهاداته حول منطقة الشرق الأوسط والتي تعكس آراءه الاستشراقية عن المنطقة والصراعات التي تدور حولها.

ويتميز لويس بعبارات مقتضبة حول السياسة التي تجعله يتسم بالعمق والبساطة في رؤيته السياسية ما يجعله جذاباً للمشتغلين بالسياسة على حساب الفهم الصحيح والعميق لمشاكل المنطقة. ففي توصيفه للتعامل بين الغرب والشرق الأوسط يشير إلى ضرورة أن تتعامل الدول الغربية والولايات المتحدة بالذات بشكل شديد مع المنطقة أو تتركها.

ولم تكن الساحة خالية للويس يدلو بدلوه كما تشتهي نفسه وأهواؤه السياسية، فقد عمد المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد إلى تقديم نقد ممنهج لوجهة النظر الاستشراقية عموماً ولويس بالذات في كتابه الشهير «الاستشراق». وينتقد سعيد رؤية لويس المتسمة بوصف الإسلام بشكل مجرد من سياقه التاريخي أو الاجتماعي. وأن المسلمين يشكلون كتلة بشرية لا يعتريها تقاسيم أو أنماط مختلفة، بل نسق واحد عابر للتاريخ. كما يتهم سعيد لويس بتسييس الاستشراق لتبرير السياسات الأميركية في المنطقة وتقديم الدعم لإسرائيل في احتلالها لفلسطين.

لكن لويس سيجد ضالته في أحداث 11 سبتمبر والذي تزامن مع نشر كتابه «ما الخطأ فيما حدث؟: التأثير الغربي وردود فعل الشرق الأوسط». وقد استنسخ لويس آراءه القديمة حول الإسلام وتراجعه مقابل تقدم الغرب ثم سيطرة الدول الأوروبية على بلاد المسلمين. ويفسّر لويس أن هذا هو الدافع الأساسي لسخط، بل وكراهية المسلمين للغرب، والآن لأميركا بصفتها رأس العالم الغربي. ويستخلص لويس بأن على الغرب أن يحرر العرب من هذه الأوهام بجلب الحرية إليهم أو أن المسلمين سيدمرون الغرب.

وبعد أحداث سبتمبر الإرهابية غدا لويس أهم المنظّرين للمحافظين الجدد في شأن الشرق الأوسط. وكان من أبرز المروّجين لفكرة غزو وقلب نظام الحكم في العراق. وما برح لويس يقدم الاستشارات للبنتاغون، كما كان من ندماء نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني، وحظي باجتماع تشاوري مع الرئيس جورج بوش.

والغريب أن بعد كارثة العراق وبطلان المشروع السياسي الأميركي في المنطقة، أنكر لويس أنه ساند الغزو الأميركي للعراق أو تغيير النظام هناك. رغم أنه نشر مقالاً في صحيفة وول ستريت جورنال يدعو إلى قلب نظام الحكم والذي برأيه سيأتي بالديمقراطية إلى المنطقة. إضافة إلى أن بعض الحاضرين في لقاء خاص بين تشيني ولويس أعربوا عن أنه كان يؤلّب نائب الرئيس للقيام بالغزو وأن على الولايات المتحدة أن تبرز قوتها لتحترم وتهاب في المنطقة.

وعلى ما يبدو أن ولاء لويس السياسي لإسرائيل وتمركزه الغربي شوّها نظرته إلى العالم الإسلامي. فعلى سبيل المثال يذكر أحد الكتاب، ماكس رودنبيك، أن لويس يسخر التاريخ لمنطقه السياسي خلافاً للواقع. ففي تحليله للصراع حول فلسطين يقول لويس إن العرب رفضوا التقسيم لأنهم لا يرضون بدولة يهودية تعيش بجانبهم. والواقع يقول إن هناك عدة دول صوّتت ضد التقسيم مثل اليونان والمكسيك والهند والذي لا يستطيع أحد أن يتهم موقفها بالتحيز الإسلامي ضد اليهود. والواقع أن الاعتراض على التقسيم كان من أجل رعاية حقوق الفلسطينيين.

لا شك أن لويس يعد من كبار المستشرقين، ورغم نشره عدة كتب عن الإسلام وتاريخ الشرق الأوسط، فإنه لم يسهم في زيادة التفاهم بين الغرب والمسلمين، بل زاد جرعة البغض بينهم. رؤيته عن الإسلام والعرب مثل رؤية القاعدة وداعش أن الصراع هو صراع حضارات وليس هناك تسوية في هذا الصراع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات