عين على كواليس البيت الأبيض

في انتخابات الرئاسة الأميركية لعام 2016، صوّت الأميركيون اليهود بنسبة لا تقل عن 70 % لصالح هيلاري كلينتون مرشح الحزب الديمقراطي. لم يكن المنافس الجمهوري دونالد ترامب مفضلاً إلا لدى نسبة ضئيلة منهم. واللافت أن كلينتون كانت أيضاً مرشح المسيحيين الكاثوليك والأميركيين من ذوي الأصول الإسلامية والعربية والأفريقية.

عموماً، لم يحظ ترامب بالثقة المطلقة إلا بين أوساط المسيحيين البروتستانت، لا سيما الإنجيليين منهم، الذين يجسدون مجموعة دينية كبرى في الولايات المتحدة، وزعماؤهم مقربون جداً منه.. وقد تأكد يقيناً أنه رجل من يعرفون اختصاراً بالواسب (WASP)، أي البيض الأنغلوساكسون البروتستانت، ومعظمهم متعصبون لبدعة رسالة الرجل الأبيض، وللفكرة الصهيونية.

لقد قوبل اختيار ترامب، بحالة من الحذر وعدم الارتياح بين أغلبية الأميركيين اليهود.. هذا في حين ابتهج اليهود الإسرائيليون، واستقبلوا الرئيس الجديد بقبول حسن، الأمر الذي يعكس خلافاً في التقديرات والمواقف بين يهود ويهود.

ترامب، والحال كذلك، ليس مدينا للناخبين اليهود، ولا تتصل سياساته ومواقفه خطياً بالوفاء لهم، وإنما هي أقرب للتعبير عن قناعاته الفكرية والعقيدية وأصوله الاجتماعية. وفي باب المقارنة بين المواقف المعلنة لمرشحي الرئاسة الأميركية أثناء الحملات الانتخابية، وبين السياسات الفعلية المتخذة من لدن الناجحين منهم، يعد ترامب الأكثر انسجاماً مع نفسه، وحرصاً على التلاقي والصدقية بين القول والفعل.. فكل ما وعد به كمرشح، التزم به حرفياً تقريباً كرئيس.

يزعم البعض بأن قرارات ترامب الفلسطينية، وأبرزها نقل السفارة بلاده إلى القدس، ناجم عن حسابات سياسية واستراتيجية أمنية بحتة.. لكن المتابعين عن كثب داخل أروقة السياسة الأميركية، يرتابون في صحة هذا التقدير. ومن هؤلاء، القس جوني مور من كاليفورنيا، المتحدث باسم كبار الرموز المسيحية من مستشاري البيت الأبيض، الذي يقول «ليس لدي شك في أن الإنجيليين لعبوا دوراً كبيراً في قرار نقل السفارة، فهذا أمر لا يمكن حدوثه بدون ضغوطهم..».

بمناسبة حديث الضغوط، ثبت أن الإنجيليين ذوي العلاقة الوثيقة باليمين الإسرائيلي الديني والعلماني، الموقنون بالأبعاد العقيدية لقيام إسرائيل، قد أمطروا البيت الأبيض بالرسائل الإلكترونية، لحثه علي خطوة النقل، علي اعتبار أن الوقت مناسب جداً لها، وإذا لم تتم الآن، فلن تحدث أبداً.. ولا بد من التحرك بسرعة.

يتجلى تأثير التحالف بين قوي اليمين الإسرائيلي الحاكمة، بزعامة نتنياهو، وبين الإنجيليين الأميركيين، على قرارات ترامب وسياساته تجاه القضية الفلسطينية بعامة، من التحية الخاصة التي وجهها نتنياهو للقساوسة الإنجيليين النشيطين، لقاء ضغوطهم على ترامب للتخلي عن موقف الحذر والتحفظ التقليدي من نقل السفارة، والبوح بالانحياز الصريح إلى جانب إسرائيل. حدث هذا في اجتماع نتنياهو مع قياديين من هذا التحالف، بعد يوم واحد من حفل افتتاح السفارة في القدس.

المفارقة في هذا المشهد، طبقاً لصحيفة نيويورك تايمز، أن اعتماد الحكومة الإسرائيلية على الإنجيليين الصهاينة، يمثل تحولاً استراتيجياً في سياسة إسرائيل، التي ظلت تعول علي دعم الأميركيين اليهود، الذين يضيقون ذرعاً من تصريحات بعض الإنجيليين، التي تحط من قدر دينهم. فهؤلاء الأخيرون يرون في قيام إسرائيل مجرد تمهيد لوقوع نبوءات القيامة، وأن الخلاص لن يطال أبداً سوى اليهود الذين يقبلون بالمسيح المخلص.

ومع أن هذا التقدير يمثل انتهاكاً للقيم اليهودية، إلا أن نتنياهو ورهطه لا يأبهون بهكذا إهانة، ويعتقدون أن مستقبل الدعم الأميركي لإسرائيل، لا يرتبط بالأميركيين اليهود، كونهم سيندمجون في المجتمع الأميركي، وإنما يرتهن بقوة الجمهوريين الإنجيليين «فهم القاعدة الحقيقية لإسناد إسرائيل». وفي ذلك يقول رون ديرمر، السفير الإسرائيلي في واشنطن، إن «المسيحيين الملتزمين بالصهيونية، الذين لا يقل عددهم عن 600 مليون شخص، وخاصة في أميركا الجنوبية، أصبحوا راهناً عصب التأييد الأميركي والخارجي لإسرائيل..».

تقديرنا أن تغليف الخطاب المصلحي المادي بمسوغات وتكييفات وتفسيرات دينية، أمر جد خطير على سيرورة العلاقات الدولية، وعلى المواقف الأميركية تجاه قضايا بالغة الحساسية في أرض الرسالات. ظاهرة كهذه، تفتح الأبواب على مصاريعها أمام التطرف والتطرف المضاد. ولا يتسق تكريسها من قطب دولي بحجم الولايات المتحدة، مع الجهود المضنية لمحاربة التطرف، الذي يسرح في ظله ويمرح الإرهاب والإرهابيون في جهات الدنيا الأربع.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات