توما وحيّة الفكر

يُروى أن شخصاً كان يُسمّى «توما»، بينما كان يُصِرُّ على الناس أن يسمّوه «توما الحكيم»، كان يرى أنّ لا حاجة له بأن يأخذ العلوم والمعارف مِن أساتذتها وعلمائها، بل يرى أنّ بإمكانه ما دام يعرف القراءة، أن يمر على هذه الصفحات من ذلك الكتاب في العلم الفلاني، ثم يقفز لصفحتين أُخريين في كتاب آخر لعلم مختلف، ليصبح بحراً في مجالات لا يُعرَف له سابق تخصّصٍ فيها، لكنه كان يسخر من كل من ينتقد عليه ذلك المسلك، ويرى نُقّادَهُ قاصري فهم ومحجوبي نظر عن الفكر المتجدّد الذي يدّعيه، وشاء الله أن يُصاب برمدٍ في عينه، فأسرع لأحد كُتب الطب، وقرأ فيها أنّ من أصابه رمد فعليه أن يسحق «حيّةً سوداء» ثم يَذُرَّها في عينه المصابة، وفعلاً اجتهد حتى أمسك بحيّةٍ سوداء وقتلها، ثم قام بسحقها وذرّ بعضها في عينه، وما هي إلا دقائق، وإذا به يسقط ميتاً، لتمكّن السمّ منه، تُردِف تلك القصّة، أن «توما» أخطأ في قراءة الكلمة، فهي لم تكنّ حيّة سوداء، ولكن «حبّة» سوداء!

من حولنا، سنرى الكثير من أمثال الأخ توما، ممن قَصُرَت هِمّتهم عن سهر الليالي وبذل الجهد المضني في سبيل إتقان مجالٍ معين من المعرفة الإنسانية، لكنه مستعد للقفز تبرعاً للإفتاء في ذلك المجال، و«دق الصدر» للإجابة عن أي مسألة، والتي في الغالب لا يكون زاده فيها إلا رسائل الواتس آب، أو«مزاجية» ما بعد رأس «المعسّل»، والرد لديه جاهز على من يرفض تطفّله على ما لا يعلم، فمن يناقشه أو يعترض عليه، لا يعدو أن يكون متحجراً ضيّق النظرة، ظلامي الفكر، لا يتقبل التفكير الحر الذي يحمله «حضرته»!

في لغتنا الجميلة، هناك مدرستان رئيستان، هما مدرسة سيبويه، والأخرى مدرسة الكسائي، وبينهما مئات، وربما آلاف الكتب في دقائق علوم العربية وفنونها، التي لم تحدث لأي لغة أخرى طيلة تاريخ البشرية حتى يومنا هذا، لثراء هذه اللغة، وتوقّد العقل العربي الذي عززت تألقه وتأنقه الثقافة الإسلامية ونصوص الدين السامي، وفي مدارس الفقه، هناك مذاهب رئيسة أربعة، يحفل كل مذهب منها بعدة أقوال في كل منحى فقهي، تبياناً لغناء هذا الفقه وتفاعله ومرونته ومسايرته لمتغيّرات حياة البشر، وتباين أحوالهم بمرور الزمن، ووصل الأمر بالمسلمين من حرصهم على موثوقية المرويات، أن سبقوا الدنيا بعلمي الإسناد والجرح والتعديل، لوضع كل ما يروى على معايير دقيقة، تُحدِّد قبولها أو رفضها، وتضع لتحديد درجة ضبط وعدالة الرواة، ومن يؤخذ بحديثه ومن يرفض، أو يحتاج لشاهد أو سندِ طريقٍ مختلف معايير رصينة، عِلْمان لو عرفهما أولئك «التوماويون» لخجلوا من ذكر أنّ الحديث لم يظهر إلا فجأة في عصري الإمامين البخاري ومسلم!

وفي تفسير القرآن العظيم، ظهرت مدارس عِدّة، ومنهجيات متكاملة، فهناك مدارس للتفسير بالمأثور، وخيرها ما فسّر القرآن بالقرآن، ثم ما روي عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، كما قال ابن مسعود بإسناد صحيح رواه الطبري في تفسيره: «كان الرجلُ مِنّا إذا تعلّمَ عَشْرَ آياتٍ، لم يُجاوزهنّ حتى يَعْرِفَ معانيهن والعمل بهن»، وهناك مدرسة التفسير بالرأي في ما لا نصّ فيه، ولكن لم يُترَك ذلك دون ضوابط، بل اشترطوا، كما ذكر ذاك الإمام الزرقاني: «أن يكون صاحبه عارفاً بقوانين اللغة، خبيراً بأساليبها، وأن يكون بصيراً بقانون الشريعة، حتى يُنَزِّلَ كلامَ الله على المعروف من تشريعه»، فلا مكان للفلسفة الفارغة أو التفسير بالهوى أو اختلاق منهج مهلهل لا ضوابط له ولا محدّدات ولا معايير، الأمر الذي يُناقض أبسط أبجديات الفكر الناقد!

إنّ ادّعاء الشيء لا يعني امتلاكه، وكثرة استخدام عبارات معينة عن أمرٍ ما، لا يعني إتقانه ومعرفته الحقّة، فمن يتكلم عن الفكر المستنير وينادي بتقبّل الرأي الآخر، لكنه لا يتقبل رأي من ينتقده، ويصمه بأقذع الأوصاف، هو أبعد الخلق عن الفكر والنور معاً، ولا يعني تصفيق من يُماثلونه في التوجّه، أنّهم يمثلون ذاك الخط الذي يتحدثون عنه، لأن الوضع يبدو كما قال جون ميلتون: «لا أحد يحب الحرّية من الذين ينادون بها إلا القلّة، أمّا الأكثرية فلا يريدون إلا الرُخَص»!

لا يصح أن تترك التخصصات لكل من هب ودب ليقول فيها بمزاجه، فكل مجال في المعرفة له أربابه والمختصون به، فلا يجوز لفلاح مثلاً، أن يتدخل في عمل مهندس إنشائي، ولا يحق له إن رفض مقترحاته، أن يتّهمه بالظلامية وتحجر الفكر وعدم تقبل الآراء الأخرى، تخيّل معي للتقريب، أن تكون على باب غرفة العمليات لإجراء عملية معقدة، ثم يأتيك مدير السوبر ماركت أو ناطور البناية، لكي يقوم بها بدلاً من الجرّاح المختص، فهل ستوافق؟، هل ستهتم حينها إن قال لك بأنّك تعيش في القرون الماضية، وذو فكر متقوقع؟، الجواب حتماً «لا»، لأن الأمر ليس مجال أخذٍ ورد، لا يوجد أصلاً أي توازن بين كفّتي الميزان، والتفاضل بين الخيارات منسوف من أصله، لأنّ أحدهما دَعيٌّ لا يحمل من ذاك التخصص أبسط معارفه ومهاراته!

إنّ الفكر الإنساني حيٌّ بطبعه، وهناك ثقافات حاولت تحجيمه ووضعه خارج الخدمة، كما حدث للأوروبيين في القرون الوسطى، قبل أن تنتقل لهم شعلة النور والفكر والحضارة والتسامح والتناغم من بغداد بني العباس شرقاً، وقرطبة بني أميّة غرباً، من حينها، تعلموا من حضارة العرب الكثير، وأولها إعلاء شأن العقل، ولكن العقل الخيّر المتقد المؤطر بضوابط الدين السمح ومصالح الناس، وليس المزاج والهوى، الذي يظنه البعض حريّة فكر، وليس بالتعالم لمجرد قراءة صفحةٍ هنا أو «لطش» من «قروب واتس آب» هناك، حينها، لن يطول الأمر بهؤلاء حتى نرى عاقبتهم كعاقبة توما الحكيم!

طباعة Email