تفاؤل حذر في العراق

 بقدر ما اختزنت ذاكرة المواطن العراقي من تجاوزات على حقوقه وتجاهل لإرادته ومساس بكبريائه على مدى خمس عشرة سنة، كان الثاني عشر من مايو الجاري يوماً استثنائياً في أهميته.

حيث كان موعداً لتسوية الحسابات، فقد صُدمت الجهات السياسية الحاكمة بنتائج الانتخابات التي أطاحت من شارك بها ومن قاطعها على حد سواء بعدد غير قليل من النواب والأحزاب التي جثمت على صدره وأراح الناس من عشرات الوجوه التي احترم قلة منها بعض ما تبقى لديه من حياء فتوارى بخياره عن المشهد الانتخابي لمعرفته بحقيقة رصيده لدى الناخب الذي طفح به الكيل ولم يبق في قوس صبره منزع.

تصدر المشهد الانتخابي «ائتلاف سائرون» رغم قلة موارده وتواضع قدراته الترويجية وهو ائتلاف يضم التيار الصدري وعدداً محدوداً من الأحزاب والحركات اليسارية والعلمانية، التي تتبنى مطالب الشرائح الأكثر فقراً ومعاناة من الشعب، ائتلاف لم يتشكل من خلال لقاءات قادته خلف أبواب موصدة برعاية أجنبية بل تشكل على نار هادئة وعلى مدى أكثر من سنتين من التفاعل والتفاهم السياسي في ساحات التظاهر والاعتصام والتمرد.

حيث التقت القواعد الشعبية لمكونات هذا الائتلاف عفوياً في عرض همومها ومعاناتها فولدت ونضجت وتبلورت من خلال ذلك معالم برنامج عمل سياسي وطني مشترك لإنقاذ العراق من براثن الجهات السياسية، التي مسخت معنى الديمقراطية وحولتها لمظلة تحمي الفساد بأنواعه وأمعنت بنشر الجهل وأفقرت البلد وفرطت بأمنه وارتهنت سيادته.

فوز ائتلاف «سائرون» مؤشر قوي عن مدى الحاجة إلى المؤسسات التي يسكنها الهاجس الوطني في مقاربة القضايا الداخلية والدولية، إلا أن تنفيذ البرنامج الذي طرحه هذا الائتلاف من خلال حكومة قوية قادرة على التصدي للإرهاب وفرض سلطة القانون ومواجهة التحديات الأمنية والخدمية وتنشيط الاقتصاد المحلي للقضاء على البطالة والإيفاء بوعود التخلي عن المحاصصة واعتماد معايير الكفاءة في اختيار القيادات الإدارية، مرهون بطبيعة التحالفات التي سيتمكن هذا الائتلاف من إقامتها.

نتائج الانتخابات رغم سماتها الإيجابية لم تكن حاسمة، فهناك ثلاثة ائتلافات متقاربة في النتائج التي حصلت عليها ما خلق حراكاً محموماً تنافسياً يتمحور حول ائتلاف سائرون وحول ائتلاف دولة القانون لتكوين الكتلة النيابية الأكبر التي سيكون من حقها ترشيح رئيس الوزراء المنصب الأهم في الدولة.

هذا الحراك يجري بالتوازي مع حراك آخر مكشوف وخفي تقوم بها جهات أخرى لها صلة وثيقة بالشأن العراقي وعلى رأسها الولايات المتحدة وإيران.

هذه الأجواء تعيد للأذهان ما حدث عام 2010 حين فازت القائمة الوطنية التي ترأسها إياد علاوي بأغلبية الأصوات إلا أن التعقيد في الظروف السياسية وقتذاك ساعدت على إبعاد علاوي ومنح المالكي ولاية ثانية بدعم كبير من طهران وتخلٍ من قبل إدارة الرئيس أوباما، إلا أن الصورة مختلفة .

الآن إذ من المستبعد أن يتكرر استسلام الإدارة الأميركية الذي ألحق بالعراق أبلغ الضرر في حينه، فالنزعة الوطنية العراقية التي بدأت تفرض وجودها في المعادلة السياسية تقلق طهران كثيراً ولكنها لا تقلق واشنطن بالقدر نفسه، فالشعارات المعادية للولايات المتحدة أصبحت مقتصرة على الجهات التي تميل ناحية طهران.

مقتدى الصدر، الزعيم الأبرز في المشهد السياسي العراقي، بدأ مشواره السياسي معارضاً مشاكساً إلا أن دوره أصبح إيجابياً منذ تخلى عن العمل المسلح واعتمد الممارسات السلمية وسيلة للتعبير عن مواقفه بما فيها التظاهر والاعتصام والاقتحام السلمي الذي نفذه أكثر من مرة للمنطقة الخضراء.

فالنضوج السياسي الذي بدأ يطبع مواقف التيار الصدري والعلاقات المتوازنة، التي أقامها مع المحيط الإقليمي والرصيد الجماهيري الواسع جداً الذي يتمتع به تجعل الحساسية إزاء التعامل معه تتراجع بشكل كبير.

واشنطن من هذا المنظور لا ترى ضيراً في تصاعد الدور الذي يلعبه هذا التيار في الحياة السياسية العراقية لا سيما أن ذلك لا يتعارض مع استراتيجيتها بتطويق النفوذ الإيراني في المنطقة.

وإضعاف وتقزيم حلفائه في وقت تتصاعد فيه إقليمياً ودولياً حدة مواجهتها مع طهران منذ انسحابها من الاتفاقية النووية والإعلان عن نيتها إنشاء تحالف دولي مشابه للذي أنشأته في الحرب على الإرهاب للتصدي لطهران وفق استراتيجية أعلنها وزير خارجيتها في الحادي والعشرين من مايو الجاري، فقد وضعت واشنطن أمام طهران اثني عشر شرطاً للتوصل إلى اتفاق جديد خصت الوضع في العراق بالسابع منها، شرط يلزم طهران بـ«احترام الحكومة العراقية والسماح بنزع سلاح الميليشيات الشيعية».
 

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات