عن متلازمة الفساد والعدوان

مرور سبعين عاماً على نشوء دولة ما، لا يكفي لتحويلها من ذروة استشعار المثالية إلى حضيض الفساد بكل أنماطه وسوءاته. الأرجح أن الخواء الأخلاقي والتدليس التاريخي والحقوقي؛ الذي تأسست عليه إسرائيل وعاشت ملازمة له، ظل ينخر في أحشائها بوتيرة متسارعة إلى أن نال منها هذا التحول بالفعل.

كل الرواد والقادة المؤسسين للمشروع الاستيطاني الصهيوني، وقفوا بدرجات متفاوتة على سلم الإجرام الدموي.. وحين أعلنوا قيام كيانهم السياسي، في مثل هذه الأيام من عام 1948، كان بعضهم مداناً بجرائم دموية ومطارداً و مطلوباً لدوائر العدالة والقضاء، في الدولة التي تبنت دعوتهم ومهدت السبيل إلى تطبيقها.. لكنهم جميعاً ادعوا الطهرية الأخلاقية والسمو الروحي وعفة الأيدي والسرائر.

تقديرنا أن للفساد في إسرائيل جذوراً نظرية وعملية موصولة بالخطيئة الأم؛ وهي الاستيلاء على فلسطين وتدمير حياة أصحابها وسكانها الأصليين بكل المعاني المادية والمعنوية. الجريمة ترتد على مقترفيها ولو بعد حين. ويشهد بذلك أن الانكشاف الكبير لحالة الفساد في هذه الدولة، تجلى ثم انتفخ وتضخم عقب استكمال احتلال فلسطين التاريخية عام 1967.

هذا التعميم يوحي بأننا إزاء علاقة طردية. فكلما تمدد زمن هذا الاحتلال المصحوب بقمع الشعب الفلسطيني، زاد معدل الفساد واستشرى في الجسد الإسرائيلي. يقول أحد تقارير مجلة كاونتربانش الأميركية (26/11/2017) إن الفساد في المجتمع الإسرائيلي «..أصبح وباءً، وبخاصة بعد احتلال الضفة والقدس وغزة، وأصبحت إمكانية الإسرائيليين العاديين في دخول منازل الفلسطينيين وإخراج العائلات منها، بدعم كبير من الجيش والحكومة والقضاء، يمثل الفساد الأخلاقي للإسرائيليين على أعلى المستويات. ولم يمض وقت طويل على هذا الفساد العميق للاحتلال العسكري ومشروعاته الاستيطانية والدفاع عن جرائمه في الإعلام، حتى اكتسح المجتمع الإسرائيلي عموماً وجعله متعفناً بشكل كلي..».

بين يدي تقرير آخر، نعثر على ما يؤكد الظاهرة «خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، بلغ فساد النظام الإسرائيلي ذروة غير مسبوقة.. إذ لم يمر رئيس حكومة واحد إلا وارتبط اسمه بقضية فساد وجرى التحقيق معه بشأنها. حدث هذا مع إيهود أولمرت وإيهود باراك وبنيامين نتانياهو، فيما أفلت أرييل شارون من لائحة اتهام إثر سقوطه في الغيبوبة. كما أن رئيسين للدولة اضطرا لتقليص ولايتيهما للسبب ذاته. هذا علاوة على استقالة وزراء ونواب برلمانيين بعد تجريمهم بالفساد المالي أو السلوكي الأخلاقي أو الإداري..».

ولأن المجتمعات مع الفساد تبدو كالأسماك التي يبدأ فسادها عند الرأس، فليس غريباً أن ينساب فساد رموز النظام والنخب والمؤسسات السياسية وغير السياسية إلى بقية أعضاء الجسد، حتى أن إسرائيل شغلت أخيراً المركز التاسع ضمن أخطر عشر عصابات للمافيا على الصعيد الاقتصادي العالمي. واللافت هنا أيضاً أن النشاط الإجرامي لهذه العصابات توحش بشكل استثنائي خلال العقدين الأخيرين؛ بالتوازي والتزامن مع ما يدور في رأس الدولة.

رب مجادل بأن إسرائيل ليست بدعاً من محيطها العربي أو الآسيوي أو الأفريقي، الذي يحوي الدول الموصوفة بأنها الأكثر فساداً عالمياً. لكن هذه المداخلة مردود عليها بأنها دولة تتدثر بعباءة عالم الشمال المتقدم؛ الخالي إلى حد كبير من دنس الفساد. ومع ذلك فإنها تحت هذا التصنيف تعد الأكثر فساداً، طبقاً لأحدث بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ومن ناحية أخرى، وهذا هو الأهم، فإن إسرائيل بموقعها الراهن من الفساد، تبدو مخالفة تماماً للحالة المثالية التي تصورها روادها المؤسسون وسعوا إلى الترويج لها وتسويقها بين الخليقة. هذا أمر شرحه يطول، لكن ما يعنينا أكثر في هذا المقام أن إسرائيل الفاسدة، تظل أكثر خطورة وشراسة إزاء محيطيها القريب الملاصق والبعيد نسبياً.

ذلك لأن إشعال الفتن والحروب المحدودة وغير المحدودة، وإبقاء العلاقة مع هذه الدوائر على صفيح ساخن، ربما شكل مهرباً وملاذاً مناسباً لإشغال سواد الصهاينة والإسرائيليين بأخطار ومخاوف خارجية، عوضاً عن التفرغ لمحاسبة النفس والخوض في مناظرات طاحنة مع أئمة الفساد والمفسدين في الداخل. هؤلاء الذين يقف في طليعتهم اليوم نتانياهو وبعض أركان حكمه وبطانته.

تعليقات

comments powered by Disqus
Happiness Meter Icon