حين قاطعت أعمال «بيل كوزبي»

الأخبار المتلاحقة بخصوص إدانة الفنان الأميركى الأسود بيل كوزبي بالاعتداء الجنسي ذكرتني بواقعة حدثت منذ سنوات كان الرجل بطلها ودفعتني للامتناع عن متابعة أعماله قبل سنوات طويلة من إدانته.

فبيل كوزبي فنان أميركي فى الثمانين من عمره، جاءت شهرته الحقيقية من مسلسل تلفزيوني شهير عرف باسمه وكان في مقدمة مسلسلات السيت كوم التي حققت نجاحاً كبيراً. وهو كان يؤدي في المسلسل دور الأب لعائلة سوداء من الطبقة الوسطى فيها البنين والبنات من أعمار مختلفة.

 

وكان المسلسل يحكي في إطار كوميدي يوميات تلك الأسرة وينقل للمشاهد مجموعة من القيم الرفيعة. والحقيقة أنني كنت ممن يحرصون على متابعة ذلك المسلسل كلما زرت الولايات المتحدة.

وبيل كوزبي كان معروفاً في ذلك الوقت باعتباره مثلاً أعلى ونموذجاً يحتذى بين السود الأميركيين وكانت صورته في المسلسل تضفي عليه مسحة من وقار الأب، فضلا عن أنه كان معروفاً بأعماله الخيرية وتبرعاته. وقتها كانت تلك هي الصورة الوحيدة لبيل كوزبي في الأذهان. وأعترف بأنني كنت ممن يحبون تلك الصورة ويصدقونها إلى أن امتنعت عن مشاهدة أعماله.

والواقعة التي دفعتني لمقاطعة أعمال كوزبي حدثت عام 2004. ففي ذلك العام، اشتركت جامعة هوارد، وهي كبرى جامعات السود، مع الاتحاد العام للنهوض بالشعوب الملونة، أحد أقدم وأهم منظمات السود في إعداد حفل كان من بين فقراته جائزة مهداة لكوزبي تقديراً لأعماله الخيرية.

وبمجرد أن أمسك بالميكروفون ليلقي كلمته، انطلق بيل كوزبي في وصلة من التقريع والاستهزاء بمجتمع السود وثقافته، خصوصاً الفقراء منهم، الذين أسماهم «الناس الأدنى اقتصادياً»، واعتبر أن السود هم المسؤولون عن كل المآسي التي يعيشونها.

وهو قال عن أولئك «الأدنى» من السود أن الواحد منهم «يبكي لو ارتدى ابنه الحلة البرتقالية» (يقصد ملابس السجن)، رغم فشله في تربيته، متسائلا «أين كنتم حين كان (الابن) في الثانية.. أين كنتم حين كان في الثانية عشرة؟... في الثامنة عشر؟..

وأين كان والده؟» واستهزأ كوزبي بالذين يسمون أبناءهم «شانيكوا وتاليكوا ومحمد.. وكل هذا الهراء... كلهم في السجون». وهاجم كوزبي مجتمع السود بسبب التسرب من التعليم واستهزأ بانجليزية الفقراء منهم.

حينئذ هوجم كوزبي من بعض المثقفين والكتاب السود لكنه تمسك بكل كلمة قالها وزاد عليها في حوار لاحق. والحق أنني عندما قرأت تلك التصريحات في حينها على لسان كوزبي لم أصدق عيني. فهي كانت تدور في فلك مختلف تماما عن الصورة التي كانت مرسومة في مخيلتي للفنان الأسود.

فما قاله كان يأتي مباشرة من قاموس اليمين الأبيض المتطرف في تحامله على سود أميركا والذي يفضل تحميلهم المسؤولية عن أوضاعهم بدلا من الاعتراف بحقيقة العنصرية الهيكلية الموجودة حتى يومنا هذا وتداعياتها. فما قاله كان بالضبط الصورة النمطية التي رسمها اليمين الأميركي منذ السبعينات.

وهي صورة مؤداها أن الانحلال الأخلاقي أصاب مجتمع السود حتى صارت الأسر ذات العائل الواحد منتشرة كالنار في الهشيم بينهم.

فالفتاة المراهقة تصبح أماً وتعول طفلاً، بينما لا تعرف أباه أو يختفي ذلك الأب، فتعيش هي على الإعانات الحكومية ولا تفكر في العمل فينتج عن ذلك انحراف الأبناء. وتلك الصورة النمطية السلبية تكذبها حتى الإحصاءات الحكومية، إذ إن الأسر ذات العائل الواحد التي تعيش على الإعانة الحكومية في أغلبيتها من البيض لا السود.

أما سؤال كوزبي عن «والد الطفل» الذي اختفى، فهو يتجاهل ما وثقته عشرات الكتب الأكاديمية حول الأعداد الضخمة للسود في السجون، لا بسبب تفشي الجريمة بينهم وإنما بسبب ما صار موثقاً من عدم عدالة النظام الجنائي القضائي ضد الأقليات عموما والسود على وجه الخصوص.

أما ما قاله كوزبي عن الأسماء التي يطلقها السود على أبنائهم فكانت دليلاً على عدم احترام الرجل لحق بعض السود في الاعتزاز بثقافتهم الأفريقية، أو التحول إلى الإسلام.

كان خطاب كوزبي موغلاً في تطرفه ضد الضحية وشهادة صادمة تدل على أن الرجل الذي عاب على سود أميركا الفقراء تسربهم من «التعليم» واستهزأ بهم يجهل واقع بلاده بل لم تسعفه أمواله في أن يدرك أن واقع أي جماعة بشرية أكثر تركيباً وتعقيداً من الصور النمطية سهلة النقل عن آخرين.

وأن محنة سود أميركا لا يجوز فهمها بعيداً عن التداخل بالغ التعقيد بين الفقر والجريمة والفصل العنصري والعنصرية الهيكلية في التعليم والسكن. والحقيقة أن إشارة كوزبي لفقراء السود بتعبير «الناس الأدنى اقتصادياً» كانت منفرة هي الأخرى.

عندئذ قلت لنفسي إن من حق الرجل أن يعبر عن رأيه بحرية، ولكن من حقي أن أتجاهل أعماله. فقد وجدتني لا أصدقه كممثل. فالفنان، عندي، لديه حساسية خاصة لآلام الآخرين. ومن يومها لم أعد أهتم بمتابعة أعماله، ولم تفاجئني بالمناسبة الأخبار الجديدة حول إدانته.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات