بيونغيانغ - سيئول نحو فجر جديد

هناك تطورات أكثر من مهمة تجري في شبه الجزيرة الكورية، اللقاء بين رئيسي الكوريتين في السابع والعشرين من أبريل المنصرم في القرية الحدودية «بانمونجوم» التي عقدت فيها الهدنة بين الدولتين عام 1953، هو الأول منذ أكثر من عقد من الزمن.

أهمية هذا اللقاء تكمن في استثنائية الظروف الإقليمية والدولية التي أوصلت الرئيس الكوري الشمالي إلى القناعة بفتح صفحة جديدة في علاقاته مع شقيقته الجنوبية وإنهاء حالة الحرب القائمة معها منذ خمسة وستين عاماً على أسس تسمح له في الوقت نفسه بإعادة علاقات بلاده مع الأسرة الدولية كعنصر بناء فيها.

البيان المشترك الصادر عن لقاء الرئيسين ينص على إزالة السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية من غير التطرق إلى تفاصيل تتعلق بالجدول الزمني لذلك ولا آلية تنفيذه، لأن هذا الاختراق الفائق الأهمية ذا صلة بالتوازنات السياسية والعسكرية القائمة في المنطقة، ومن المتوقع في ضوء ذلك أن يكون لدول أخرى دور في صياغة الاتفاق النهائي بين الكوريتين، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين.

ما أوصل الرئيس الشمالي إلى هذه القناعة هو نجاح سياسة «الاحتواء» لبلاده، فقد أثمرت الضغوط الاقتصادية والسياسية الشديدة المفروضة عليها في تلطيف موقفها من منظور أن لا مستقبل لسياسات تحدي العالم وحيازة السلاح النووي ووسائل إيصاله إلى الأراضي الأميركية أو إلى غيرها.

كانت آخر حزمة من العقوبات التي فرضت على بيونغيانغ قد حظيت بإجماع أعضاء مجلس الأمن الدولي البالغ عددهم خمسة عشر عضواً، وصفتها وزارة الخارجية الكورية الشمالية في فبراير 2018 بمثابة عمل حربي وبأن البلاد باتت ترزح تحت حصار اقتصادي شامل.

وتزامن مع ذلك تهديدات على لسان الرئيس الأميركي مصحوبة بقوة عسكرية ضاربة تقبع على حدود مياهها الإقليمية متمثلة بثلاث حاملات طائرات وقطع أخرى، وهناك قواعد صواريخ «ثاد» في كوريا الجنوبية. ورغم أجواء الحرب هذه كان لوزير الدفاع الأميركي جيمس متيس القول الفصل حين صرح بأن «معين الحلول الدبلوماسية لا ينضب».

فهو على قناعة بأن خيار العمل العسكري غير مستساغ أميركياً مرفوض بالمطلق من قبل حلفاء بلاده في جنوب شرق آسيا وعلى رأسهم كوريا الجنوبية واليابان، هذا فضلاً عما يتركه من تداعيات على مستقبل العلاقات مع الصين ومع روسيا.

الحقيقة أن حسن النوايا التي أبدتها بيونغيانغ قادرة على اجتراح أفضل الصيغ لها ولشقيقتها الجنوبية ولعموم منطقة جنوب شرق آسيا بعد عقود من التشنجات والقلق. وفي بادرة أخرى نحو التقارب من شقيقتها الجنوبية أعلنت بيونغ يانغ أنها ستقدم توقيتها المحلي ثلاثين دقيقة ليتماشى مع توقيت سيؤول ابتداءً من الخامس من مايو الجاري كخطوة أولى نحو المصالحة و«الوحدة الوطنية».

نحن في مقدمات المشهد الذي بدأت بصنعه قنوات دبلوماسية غير معلنة بعيداً عن أجواء التصريحات المتشنجة والأخرى المضادة، فمدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية مايك بومبيو الذي أصبح وزيراً للخارجية منذ أيام كان أحد المبحرين سراً للقاء الرئيس الكوري الشمالي.

إلا أن هناك إرهاصات سبقت ذلك وهي اشتراك بيونغيانغ بدورة الألعاب الأولمبية الشتوية في كوريا الجنوبية بوفد على مستوى رفيع ضم شقيقة الرئيس الكوري الشمالي، الشخصية القوية جداً في مؤسسة الحكم.

المستفيد الأول من هذا الاختراق هي بيونغ يانغ التي ستخرج من عزلتها السياسية وتعيد العافية لاقتصادها المتداعي حين ترفع العقوبات عنها، وليس من المستبعد في ضوء ذلك أن تصبح الخبرات التي تراكمت لديها على مدى عشرات السنين في مجالات تصنيع السلاح مصدراً لزيادة دخلها.

حيث تتحول إلى إحدى الدول المصدرة لبعض أنواع الأسلحة. من جانب آخر قد لا يعني نزع أسلحتها النووية نزع قدراتها على تخصيب اليورانيوم.

حيث يمكن أن تصبح، بعد خروجها من خانة الدول المارقة التي تنتهك القرارات الدولية وتهدد أمن الجوار، إحدى الدول التي تنتج الوقود النووي للمفاعلات وتدخل هذا السوق العالمي منافسة لدول أخرى في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات