هل تواكب الترجمة رفعة الأدب؟!

قدر الله لي أن تكون الإنجليزية لساني، ولكنني أيضاً أتكلم العربية والفرنسية، وأجيد القليل من الألمانية، وطبعاً رغم معرفتي بهذه اللغات، إلا أنني لا أستطيع مطالعة رواية كتبت بها وفهمها وتذوقها كما يتأتى للناطقين بها.

وما فتئت أطالع العديد من الكتب والروايات المترجمة إلى الإنجليزية، وقد تعلقت بالكثير منها لما تميزت به من تفوق في الترجمة، ولأن كلماتها وصيغها البلاغية والنحوية تنقل المعنى والإحساس والمناخ العام للعمل الأصلي ببراعة لا تضاهى، ولا تجعلك تشعر أنها نقلت من لسان آخر، وحتى يتمكن المترجم من «توطين» العمل الأدبي «توطيناً» بارعاً، لا بد أن يكون أديباً قديراً في المقام الأول، ولديه شغفٌ بالأدب، وخبرة في التعامل مع النصوص الأدبية، وقدرة على استبطان المعاني كي يتمكن من استحضار المعنى الذي يقصده المؤلف وتجسيده خلقاً آخر في العمل المترجم.

ولطالما دار بيني وبين المترجمين الأفذاذ حوارات حول عملية الترجمة، وما يحتاجه المترجم البارع لنقل العمل بأمانة وإتقان، وقد اتفق الجميع على أن مترجم الأعمال الأدبية لا بد أن ينقل للغته الأم، وأن يكون لديه معرفة متعمقة باللغة التي ينقل عنها، وأن يكون قد تمرس في مطالعة مستفيضة في تلك اللغة، حتى يتمكن من إدراك الفروق الدقيقة بين معانيها. ولا مفر من أن يكون كاتباً، حتى يتمكن من نقل الأفكار بلغة جميلة مشوقة، كذلك عليه الرجوع لكاتب العمل، إن كان ذلك ممكناً، لاستيضاح المعاني والتراكيب المستعصية.

في الأسبوع الماضي، تم الإعلان عن الجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2018، وقد حاز الجائزة الكاتب إبراهيم نصر الله عن روايته «حرب الكلب الثانية»، وسوف تتم ترجمة روايته إلى اللغة الإنجليزية، إذ يحظى كل فائز بهذه الجائزة بفرصة ترجمة روايته إلى اللغة الإنجليزية، ما يتيح للمزيد من القرّاء، في جميع أنحاء العالم مطالعة الرواية، فقد تم ترجمة رواية «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي الذي سبق أن فاز بالجائزة، والآن تم ترشيح روايته لجائزة مان بوكر الدولية.

سعدت كثيراً بفوز الروائي إبراهيم نصر الله، وترشيح الروائي أحمد السعداوي لجائزة مان بوكر، فهما من الأدباء المشاركين في مهرجان طيران الإمارات للآداب، وتشهد جلساتهما إقبالاً كبيراً من قبل الجمهور.

أتخيل دائماً كيف ستكون حصيلتي الأدبية لو لم أقرأ رواية ليو تولستوي «آنا كارنينا»، أو رواية فيودور دوستويفسكي، «الأبله»، أو لو لم أتعرف على رحلات ابن بطوطة، وكتاب «أسفار مع ابن طنجة» للمؤلف البريطاني تيم ماكينتوش سميث، الذي سار على خطى ابن بطوطة، أشهر رحالة التاريخ، أو لو أنني لم أطلع على فجر التاريخ في أشهر وأعــــرق مرجع تاريخي: «تاريخ هيرودوت».

إن كان لا بد لي من اختيار رواية مترجمة تفوقت على غيرها إلهاماً وإمتاعاً، فإنني سأختار ثلاثية نجيب محفوظ التي تتضمن ثلاث روايات، تروي سيرة عائلة مصرية وتفاصيل حياتها طوال الفترة (من عام 1919 إلى 1944)، وهي تتناول التغيرات المحلية والعالمية وتأثيراتها من خلال أفراد العائلة وأفراد آخرين، وتجسد الصراع بين القديم والمعاصر، وأروع ما يصوره محفوظ في هذه الرواية الحياة النابضة في شوارع القاهرة.

وقد برع في توظيف عنصر الزمن لخدمة حبكة الرواية، إذ إننا نجد الزمن بطيئاً عندما يتحدث عن كمال، الشخصية الرئيسة، طفلاً في الرواية الجزء الأول، ثم ما يلبث أن يتسارع الزمن عندما يصبح طالباً في الجزء الثاني، ومعلماً في الجزء الثالث، ويمكن القول بأن ثلاثية محفوظ تحتضن عالماً عربياً مصغراً بكل تفاصيله وتقدم الأســرة العربية والثقافة السائدة بواقعية بارعة.

وعودة على بدء؛ هل يمكن أن يواكب الكتاب المترجم العمل الأصلي؟ لا أعتقد أن ذلك ممكن، ولكن هذا لا ينفي أن المترجمات العظيمة تتيح لشريحة أوسع من القرّاء مطالعة الكتاب والاستمتاع به من قبل عدد أكبر من القرّاء، فلا تبقى اللغة حاجزاً يحول دون مطالعة أعمال الآداب العظيمة، والتعمق في فهم المزيد من الثقافات الأخرى. ولا بد لي هنا من وقفة، أعبر فيها عن عظيم امتناني لكل المترجمين الذين جعلوا كل ذلك ممكناً، وتمكنوا من جلب كل العوالم التي لا نصل إليها ليضعوها بين يدينا.

 

 

 

تعليقات

تعليقات