الصراع على القمة.. الولايات المتحدة والصين

يدور نقاش حول مستقبل النظام الدولي في بيئة استراتيجية يعتريها تنافس غير مكتوم بين العملاقين الصين والولايات المتحدة. ورغم أن النقاش أكاديمي، إلا أنه بدأ بالتغلغل في الأوساط السياسية والصحافية. بل إن الموضوع جرى نقاشه في جلسات استماع الكونغرس الأميركي، كما يجري تناوله في الأوساط الإعلامية.

والمفهوم المعروف بـ «مصيدة ثوسيديس»، يعود إلى بروفيسور جراهم أليسون أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفرد الشهيرة. ويرجع هذا المفهوم إلى حرب البيلوبونيسية التي وقعت بين أثينا وإسبرطة في الأعوام 431ـ404 ق.م. ويقول المؤرخ ثوسيديس إن سبب الحرب تعود إلى المصيدة التي وقعت فيها الدولتان، وتتمثل في صعود أثينا كقوة على حساب إسبرطة، ما أدى إلى تصادم الاثنين لثلاثة عقود تقريباً.

وقد كتب أليسون كتابه بعنوان «مصير الحرب المحتوم: هل تستطيع الولايات المتحدة والصين تفادي مصيدة ثوسيديس». ويرى الكاتب أن هذه المصيدة لا تخص حالة الحرب البيلوبونيسية فحسب، ولكن تنطبق على حالات كثيرة في الخمسمئة سنة الماضية.

فمن موقع الموضوع، الذي يناقش بجدية على صفحة مركز بلفر بجامعة هارفرد، يشير إلى نمط متكرر وخطير بين الدول. فهناك ست عشرة حالة من تنافس بين القوة المهيمنة والقوة الصاعدة، أدت في اثنتي عشرة حالة منها إلى الحرب.

فعلى سبيل المثال، فإن الحالة الأولى هي تلك التي حدثت بين القوة المهيمنة البرتغال، والقوة الصاعدة إسبانيا، حول توسع الإمبراطورية التجارية على حساب البرتغال في نهاية القرن الخامس عشر. ولكن هذه الحالة لم تنتهِ بحرب، بسبب أن القوتين تخوفتا من مواجهة شبيهة بسابقة لم تثمر إلا الدمار. وكان لتدخل البابا بين القوتين الكاثوليكيتين، أثر في نهاية سلمية للتنافس التجاري.

وتمثل الحالة الثانية، النمط السائد بين القوة الصاعدة والقوة المهيمنة، والتي تنتهي بالحرب. فقد أدى صعود قوة إمبراطورية هابسبورغ في أوائل القرن السادس عشر، لمواجهة مع فرنسا، التي كانت حينها القوة القارية في أوروبا. وقد سعت إمبراطورية هابسبورغ، لتحل محل فرنسا، ما أدى إلى اندلاع حرب استمرت من 1519 إلى 1559، وأصبحت بموجبها إمبراطورية هابسبورغ، القوة القارية الجديدة.

وهكذا دواليك، فإن القوى الصاعدة تدخل في مواجهات مع الدول المهيمنة، ينتج عنها في الأغلب حروب طاحنة. وحتى الحربان العالميتان، لا تخرجان عن نطاق هذا النمط. فسبب الحرب العالمية الأولى، التي استمرت من 1914-1918، هو التهديد الذي مثلته ألمانيا لهيمنة بريطانيا، وتهديد روسيا من الشرق لقوة ألمانيا الصاعدة في القارة الأوروبية.

وعندما حاولت ألمانيا استعادة سطوتها وهيمنتها على القارة الأوروبية، اندلعت الحرب العالمية الثانية في عام 1939 حتى 1945 بين برلين والقوى الأوروبية حينها. ولعل هذا النمط التاريخي المتكرر، ما يجعل الكثير يتوقع حرباً في الأفق بين الصين الصاعدة والولايات المتحدة القوة المهيمنة.

وكما يقول أليسون في مقالة له، إن الصين تقف اليوم على عتبة التفوق الاقتصادي والتقني على كافة القوى المنافسة لها في العالم: هي المصنع الأكبر والسوق الأوسع ومحط الاستثمارات العالمية الأعلى، ومستهلك الطاقة الأكثر والمنتج الأقوى للحديد والصلب.

وبالتالي، فإن كل هذه العوامل ستؤدي بالضرورة إلى توسع النفوذ الصيني الإقليمي أولاً، ثم العالمي. لم يكن هناك قوة في العالم صعدت بنفس السرعة وفي كل ميادين القوة، مثل ما فعلت الصين خلال عقود مضت.

وحتى سياسياً، بينما تعتري النظام السياسي الأميركي عجز استقطاب سياسي داخلي مقيت، ركز الرئيس الصيني الحالي، شي جين بينغ، كثيراً من السلطات في يده، ما يمنحه كثيراً من هامش الحرية على المستوى الدولي.

إذا كان التصادم قدراً بين الولايات المتحدة والصين، فما العمل؟، يقول الرئيس الصيني شي جين بينغ، أن ليس هناك «مصيدة ثوسيديس»، «ولكن إذا ما قامت الدول الرئيسة مرة أخرى بأخطاء استراتيجية غير محسوبة، فإنهم سيخلقون مصيدة حقيقية لأنفسهم».

ورغم أن التحليل التاريخي يوضح المشهد الجيوسياسي الخطير الذي يتوجه إليه العالم، إلا أن هناك حالة فريدة في العلاقات الدولية، قد تجعل من حتمية الصدام أضعف مما يعتقد أليسون. ففي مقالة أخرى حول الموضوع، نشرت العام الماضي، فإن أليسون يقر بأن الترسانة النووية لدى الطرفين، تجعل من أي مواجهة بينهما مكلفة جداً، ولن يخرج أحد منها منتصراً.

ولكن يستدرك ويقول لأجل أي من الطرفين أن يربح، عليه أن يكون مستعداً للمغامرة، وإلا فإن الطرف المقابل سيستغل تردد الطرف الأول ليكسب كل الجولات. فحتى تكون هناك مصداقية، فإن على الطرفين أن يكونا مستعدين لحرب مدمرة. وهنا تكمن الخطورة!

 

 

تعليقات

تعليقات