سبعون عاماً من القلق

بعد سبعين عاماً من قيام دولتهم، هناك ما يوحى بأن الإسرائيليين يفتقدون لقراءة موحدة لماضيها وحاضرها، ولا يجمعون على رؤية مشتركة لمستقبلها. وفى غضون حيرتهم هذه وضبابية البوصلة، يبدو هؤلاء القوم على شاكلة فريدة، لا نظير لها، قياساً حتى بأحوال الأقوام الذين تبلورت كينوناتهم السياسية في المرحلة التاريخية ذاتها.

لا نحتاج إلى كثير من التحري، كي نلحظ كيف أن دولاً، ولا سيما في آسيا وأفريقيا، قد ظهرت بالتزامن مع ولادة إسرائيل، لكن نخبها السياسية والمدنية لا تنشغل بالأسئلة المصيرية، التي يتناظر حولها الإسرائيليون، كلما حانت ذكرى ميلاد دولتهم.. بل ويجوز الاعتقاد بأن العام الحالي، يشهد مزيداً من الجدال المصحوب بشيء من اللاأدرية والتشاحن حول قضايا يفترض أن تكون قد حسمت تماماً، مثل اسم الدولة ودلالاته على هويتها، أهو «إسرائيل» وكفى، أم أنه من الأفضل أن يصبح «الدولة اليهودية إسرائيل»؟!

في هذا السياق، نعثر على من يمجد الدولة بلا حدود، معتزاً بفتوتها وتقدمها العلمي والتقني، وصمودها في وجه المحيط العربي والإقليمي بعامة، وإجباره على الإقرار بوجودها، زاعماً أنها «..معجزة، إذ لديها شعب سليم في دولة قوية، رغم التهديدات والصعوبات والقيود ودعوات المقاطعة الخارجية والخصومات الداخلية.. إنها دولة مدهشة، يأتي إلى مراسم ذكراها المتدينون التقليديون، إلى جانب العلمانيين ذوى الآراء اليمينية واليسارية. كلنا إخوة يريدون مواصلة كوننا شعباً معافى في دولة معافاة. وعموماً، لقد حلم آباؤنا بدولة تحققت، ولا مثيل لها».

غير أنه في مقابل هذا الإطراء، هناك من يتبنون وجهة نظر مناقضة، يعتقد أصحابها أن إسرائيل «قادرة على الدفاع عن حدودها، لكن مشروعها المركزي لقمع الفلسطينيين إلى مستوى التحطيم الفعلي لحل الدولتين، يمس بقدرتها على الحرب.. وهي تعيش في مواجهة خطر عظيم للغاية، يتعلق بانهيار النظام الديمقراطي، تحت وطأة حالة الطوارئ الدائمة وسحق حقوق العرب، والتآكل المتواصل في القيم الليبرالية وكرامة الإنسان. وهكذا، فإنه في ظل أي حرب إقليمية، لن تجد الحصانة الديمقراطية لإسرائيل من يقف إلى جانبها»..

وعلى التوازي مع رؤى المنتشين ببلوغ إسرائيل عامها السبعين، برغم الأجواء العاصفة داخلها ومن حولها، ورؤى المتشائمين إزاء حاضرها ومستقبلها، يحوى الواقع طائفة من المتسائلين، الذين لا يميلون كل الميل إلى هؤلاء أو هؤلاء.. ومنهم الروائي دافيد جروسمان، الذي كتب في يديعوت أحرونوت (18/4/2018)، بأنه «ما لم يكن للفلسطينيين بيت، فلن يكون للإسرائيليين بيت.. فإسرائيل اليوم، ربما تكون قلعة قوية، لكنها ليست بيتاً يحظى أهله بالحياة الهادئة. الطريق إلى حل هذه العقدة الهائلة، هو في الحياة جنباً إلى جنب مع الدولة الفلسطينية المستقلة.

دولتنا أقيمت كي يستمتع الشعب اليهودي أخيراً ببيت، لكنها حين تحتل شعباً آخر وتقمعه وتخلق واقع الأبارتيد معه، ويقنص جنودها عشرات المتظاهرين السلميين، فإنها ليست البيت الذي كنا نرغب فيه، وهى ليست هذا البيت أيضاً، عندما تميز بحق مليون ونصف من مواطنيها (فلسطينيي 48)، وتتخلى عن إمكانية الحياة المشتركة بين الأغلبية والأقلية..».

في كل حال، هناك مروحة واسعة من الهموم الثقيلة، التي تلقي بظلال كئيبة على إسرائيل السبعينية.. منها كيفية فض الاشتباك التاريخي مع أصحاب فلسطين الأصليين، وإحراز تسوية تحمل في باطنها تصفية حقوقهم، طالما تعذر استئصالهم، وهذا هدف يراوح تحقيقه بين الصعوبة والاستحالة. ومنها، إعادة الزخم لهجرة يهود العالم إلى الدولة الصهيونية، والقضاء على أشواق نحو 40 % من شبانها إلى الهجرة المعاكسة.

ومنها، مواجهة آفات الفساد متعدد الأنماط، الذي راح يستشرى في الدولة من قمة الرأس إلى أخمص القدم، حتى أنه طال بعضاً من أعلى مقاماتها، كالرئيس موشى كتساف، ورئيس الوزراء إيهود أولمرت، بما أودى بهما إلى السجن. ومنها تنفيس التفاوت الطبقي المذهل على الصعيد الاقتصادي، الذي يعصف بنحو ربع السكان في دائرة الفقر..

الشاهد أنه إذا كان الفلسطينيون، والعرب عموماً، ليسوا في أفضل أحوالهم اليوم، فإن إسرائيل السبعينية، ليست بدورها بخير، ولا هي في حالة من الاسترخاء، ولا يمكنها الادعاء بالقدرة على التخلي عن أحاسيس الحذر والتربص الظاهرة والكامنة، سواء تعلق الأمر بما يعتمل في أحشائها، أم تعلق بالبيئة المحيطة بها.

 

 

تعليقات

تعليقات