بين اليأس وصناعة الأمل

في مجتمعاتنا العربية ترى صناعة اليأس وصناعة الأمل صناعتين حاضرتين أمامنا بقوة وبكل ما تعنيه تلك الكلمة من معانٍ وقيم وانعكاسات. وفي الواقع فإن هناك العديد من الأسباب لاستمرارية هاتين الصناعتين وتواجدهما جنبا إلى جنب في مجتمعاتنا العربية: فاليأس موجود وصناعته مزدهرة. فعدد من حواضرنا العربية الكبرى والتي كانت ذات يوم جاذبة للعلماء والمفكرين أصبحت اليوم طاردة حتى بالنسبة لأبنائها المقيمين على أرضها. هناك العديد من العلماء والمفكرين العرب هجروا العالم العربي ويعيشون اليوم في المهجر رغم كل الصعوبات التي يواجهها المهاجر العربي والمسلم في الغرب.

حواضرنا العربية التي كانت في فترة الثلاثينيات والأربعينيات وحتى أيضاً الخمسينيات والستينيات تزهو ببنية تحتية وتعداد سكاني ومستوى معيشي مقبول ومناسب لتلك الفترة أصبحت اليوم بفعل عوامل كثيرة ذات بنى تحتية مهترئة وكثافة سكانية عالية ومستوى معيشي متدنٍ وتيارات أيديولوجية تعيث في أرضها فساداً وتجعل التعايش على أرضها مستحيلاً.

البعض يحلو له أن يرجع جل تلك الأسباب وذلك التراجع للاستعمار وما عانته المنطقة العربية من استغلال بشع على يد القوى الغربية على الرغم من أن بعض الحواضر العربية كانت أفضل حالاً قبل الاستقلال منها بعده، والبعض الآخر يرجع تلك الأسباب إلى سوء الإدارة وتردي الأوضاع الاقتصادية في تلك البلدان. ولكن هذه المبررات تحتاج إلى تحليل متزن وغير عاطفي. فمثلاً عمد الاستعمار في بعض الأحيان على بناء بنية تحتية تناسب مصالحه كمد الجسور والطرق وإنشاء بعض المدارس وبالتالي لا يتحمل وحده اللوم على تدهور الأوضاع العامة.

ولكن اللوم يوجه نحو من تولى السلطة بعد ذلك والكيفية التي تمت فيها إدارة دفة الأمور. فحواضر عربية كبيرة تدهورت فيها الأحوال حتى أصبحت تلك الحواضر العربية اليوم مهمشة ومتخلفة عن ركب الحضارة العالمية وإيقاعاتها. كما أن حواضر عربية مشهورة قد تفشى فيها الجهل والتعصب والفقر والكثافة السكانية حتى باتت تعتمد على المساعدات الخارجية لتسيير أمورها اليومية وتدبير أوضاعها المعيشية.

من جانب آخر فإن المجتمعات العربية شهدت أيضا ظهور حواضر شهدت صناعة أمل جديد في العالم العربي. هذه الحواضر التي كانت في الماضي مهمشة وفقيرة قد بدأت اليوم ترسل إشارات أمل للعالم العربي مفاده بأن السعادة قرار وبأن الأمل غير مستحيل في ظل وجود قيادات سياسية تساهم في صنعه وصناع أمل يقومون بمبادرات خلاقة لتحدي الظروف لخلق واقع أجمل.

دبي أنموذج لتلك الحواضر العربية التي احتضنت الأمل العربي الجديد وشجعت صناع الأمل سواء من خلال إلقاء الضوء على مبادراتهم أو تكريمهم؛ ليكونوا مثالاً لغيرهم أو من خلال بعث رسائل أمل للشباب العربي في كل مكان.

كما أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هو أنموذج للقيادي الذي آمن بأن هذا الأمل هو منارة تهتدي بها ملايين من البشر المتطلعين لواقع عربي جديد مغاير عن واقعهم، وبأن تغيير هذا الواقع غير مستحيل ولا صعب. وفي الواقع فإن المتطلع إلى مبادرات دبي ككل يجدها مبطنة بالأمل، وتهدف إلى إسعاد الناس أينما كانوا على اختلاف مشاربهم وآرائهم. كما يجد أن جل مبادرات دبي موجهة للشباب العربي الذي هو أمل ومستقبل هذه الأمة.

إن العالم العربي يحتاج اليوم إلى نماذج قيادية جديدة تنشر الأمل مكان اليأس وتمنح الشعوب العربية أملاً جديداً في مستقبل أكثر إشراقاً. فمن حق العالم العربي الذي ساهم يوماً في قيادة الحضارة العالمية أن يعود إلى سابق مجده في الريادة ويحق لشعوبه أن تتمتع بالخيرات الوفيرة الموجودة في أرضه.

إن ما يمنع العالم العربي اليوم من ممارسة حقه الطبيعي في قيادة مسيرة العالم والتمتع بخيرات بلدانه ليس فقدانه الأهلية ولا بسبب عدم وجود الكوادر البشرية المؤهلة أو قلة الموارد الاقتصادية بل في الكثير من الأحيان عدم وجود التخطيط المناسب والإدارة الجيدة والرؤية السليمة.

فغياب التخطيط والشفافية ووجود بعض الأمراض الإدارية كالروتين والفساد والمحسوبية جميعها عناصر ساهمت في جعل بعض الحواضر العربية اليوم مكاناً خالياً من الأمل يعشعش فيه اليأس ويتطلع أهله إلى الفرار من جحيمه. إن دبي وهي تحتضن قريباً صناع الأمل العربي إنما تحتضن في كل مبادرة أملاً عربياً جديداً وفي كل شخص فرداً قادراً على نشر الأمل والسعادة في كل مكان وفي كل جنسية تجسيداً للأمل العربي الكبير.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات