ماذا بعد الضربات الصاروخية الثلاثية؟

أثارت الضربات الصاروخية المحدودة التي نفذتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ضد ثلاثة مواقع سورية يشتبه في علاقتها بآخر هجمة بالسلاح الكيمياوي في دوما بغوطة دمشق، أثارت في أجواء التشنجات المتصاعدة في العلاقات الدولية مخاوف حقيقية حول مستقبل السلم في العالم وطرحت أسئلة عدة عن جدواها عسكرياً.

وعن تداعياتها سياسياً، خاصة أن أياً من الحكومات التي أسهمت في تنفيذها لم ترجع لبرلماناتها للحصول على الدعم والموافقة، ما أضفى قدراً من اللاشعبية عليها استغل بدرجات متفاوتة من قبل قوى المعارضة في هذه الدول. بعض دول الاتحاد الأوربي غير متعاطفة تماماً مع هذه الضربات الصاروخية رغم أنها أعربت أخيراً عن تضامنها مع حلفائها الذين نفذوا الضربات.

التوجهات الحقيقية للرئيس الأميركي ترامب رغم تغريداته النارية غير المدروسة لا تتفق مع تبني مواقف متشددة في سوريا ترفع من سقف التوتر في العلاقات مع موسكو، بل إن إصراره على سحب قوات بلاده منها لا يتفق بالمرة مع قرار توجيه ضربات صاروخية إليها.

فكيف يمكن التوفيق بين هذه المفارقات للخروج بقراءة رصينة يمكن أن تكون مقنعة بشكل مؤقت كانعكاس لتوازنات قلقة وخطرة داخل الإدارة الأميركية وتوازنات أخرى لا تقل قلقاً وخطورة بين الفرقاء الآخرين في الساحة السورية؟

لا شك أن رؤى الرئيس الأميركي ترامب لقضية الأمن القومي لبلاده لا ترقى إلى مستوى رؤى الدولة العميقة التي باتت تحكم الطوق حوله، جنرالاته لا يتقبلون حلولاً لقضايا شائكة في منطقة الشرق الأوسط غير تلك التي بدأت واشنطن بفرضها بالقوة العسكرية منذ نهاية الحرب الباردة عام 1991 حين أصبحت القوة الوحيدة العظمى في العالم وهو ما يرجح احتمالات التصادم، بمستويات متفاوتة، مع القوى الثلاث التي لها حضور ومصالح استراتيجية في سوريا وهي روسيا وتركيا وإيران.

إذ ليس من السهل على قادة يتبنون عن قناعة خيار إدامة التسلط والهيمنة استناداً إلى ما تتمتع به بلادهم من قوة استثنائية مقاومة إغراء القيام بعمل عسكري هجومي في سوريا، رغم أنه قد لا يتماشى مع الأهمية الفعلية التي يشكلها هذا البلد لمصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية.

هناك مبررات لدى صقور الإدارة الأميركية لرفع سقف التعرض للنفوذ الروسي، فبعد مرور أكثر من سنة على التحقيقات التي لا تزال جارية حول الاتهامات الموجهة لموسكو بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2016 .

أضيفت اتهامات أخرى لها تتعلق بمحاولة اغتيال جاسوس روسي مزدوج وابنته في بريطانيا، محاولة رغم فشلها أشعلت حرباً دبلوماسية غير مسبوقة وارتفع إثرها منسوب المواجهة بين الغرب وروسيا إلى مستوى خطير، الضربات الصاروخية التي نفذتها الدول الأكثر قوة في الغرب حدثاً بارزاً في سيناريو هذه المواجهة فما الذي سيأتي بعدها؟

هناك أحداث أخرى قادمة في المسرح السوري فليس من المتوقع أن ترسو الحرب الدائرة فيه وحوله على بر الأمان في وقت قريب. موسكو لم تحاول على مدى السنوات السبع من الحرب في سوريا التفاهم مع الغرب بسبب الخلاف الكبير حول مستقبل الرئيس السوري، ولم تسع من جانبها وهي تمتلك أوراق ضغط كثيرة في سوريا لإيجاد صيغة سياسية مرضية للسوريين جميعاً وليس للنظام فحسب، بل عملت على تجاهل الأمم المتحدة وخلق بديل لمسار جنيف في ابتداع أستانة ثم سوتشي.

«الضربات الصاروخية الغربية في سوريا إهانة للرئيس فلاديمير بوتين وسيكون لها تداعيات»، هكذا وصفها السفير الروسي لدى واشنطن فكيف سيكون الرد؟ من المتوقع أن تقوم موسكو بتسليم دمشق منظومة صواريخ إس 300 متخلية بذلك عن وعد سبق أن التزمت به بعدم إبرام صفقة التسليم، وهو ما نوه به وزير الخارجية لافروف.

وربما تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك في أجواء الصراع الذي بات يتسع ويتصاعد بين الغرب وروسيا، حيث وصف وزير الخارجية الروسي لافروف في السادس عشر من أبريل الجاري في مقابلة أجرتها معه هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي العلاقة بينهما بأنها «أسوأ مما كانت عليه إبان حقبة الحرب الباردة، لأنه لم يكن هناك هوس بالرهاب الروسي». التصعيد من جانب الولايات المتحدة وحلفائها ضد روسيا يتأتى من منطلق القناعة بأن هناك خطورة في غض الطرف والتزام الصمت إزاء السياسات ذات الصبغة «القومية» التي تنتهجها إدارة الرئيس بوتين.

 

تعليقات

تعليقات