كأس العالم 2018

السعادة الاستثمارية

خلال المئة عام الفائتة حدثت ست هزات غيرت معالم الخارطة العالمية؛ والحديث هنا ليس عن هزات أرضية، إنما هزات اقتصادية، فتأثير كليهما كان كارثياً على دول وشركات، وحتى أفراد، بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ ست هزات اقتصادية قلبت موازين القوى المالية لدول كانت ستصبح معجزة اقتصادية لولا ظهور عائق الأزمات الذي لا يرحم ولا يعتق رقاباً، والفرار منه يتطلب تجهيزات خاصة وتحضيرات مدروسة جيداً.

في عام 2008 كان آخر الأزمات العالمية تلاها أزمة خاصة بقارة أوروبا أو ما يعرف بأزمة الديون الأوروبية، ومنذ تلك الكوارث والعالم يتنبأ بأزمات جديدة، خصوصاً أن السياسات الاقتصادية العالمية لم تتغير بشكل كافٍ لتفادي وقوع الكارثة، فربما نسمع في المستقبل القريب عن إعلان دول لإفلاسها فلم يعد خطر الإفلاس حكراً على الشركات، التي بدأت فعلياً مؤشرات الإفلاس لمئات الآلاف من الشركات العالمية تظهر على السطح، كل هذا من جانب، ومن جانب آخر تصريح أغنى رجل في العالم، بيل غيتس، الذي صرح في مقابلة على موقع Reddit الإخباري الاجتماعي بأن «أزمة مالية وركوداً اقتصادياً شبيهاً لما حدث في عام 2008، على وشك الحدوث، في المستقبل القريب».

هذه التقارير وهذه التنبؤات تجعلنا متأكدين أن شهية المستثمرين ستقل يوماً بعد يوم، ورأس المال سيبقى خائفاً من الدخول باستثمارات جديدة خصوصاً في عام 2018 الذي تنبأ الكثير من الاقتصاديين بأنه عام الأزمة وربما يكون عام التعافي لبعض الاقتصادات العالمية، فكل سيجني ثمار ما اقترفه أو صنعه خلال السنوات العشر الماضية، ومتوقع أن تعلن ما لا يقل عن ست دول إفلاسها هذا العام مثل دولة زيمبابوي التي تحول فيها 95% من العاملين إلى عاطلين عن العمل بخلاف تفاقم حجم الديون مقابل قلة الإنتاجية.

الوضع قد يكون كارثيا في الكثير من البلدان خصوصاً أن البنوك ما زالت تُقرض دون ضمانات واضحة وهذا يظهر في حجم القضايا المالية المرفوعة من قبل البنوك على المتعثرين بالسداد إلى جانب ظهور بوادر فوضى نتيجة الجوع والحرمان وعدم الاستقرار المادي، الذي تعجز الحكومات عن تأمينه بسبب ديونها للبنك الدولي أو للبنوك التجارية المقرضة، وحال الدول كحال الأفراد تتعثر في السداد وتتراكم الديون والفوائد تزداد يوماً بعد يوم، ومع عدم القدرة على السداد ستضطر بعض الحكومات لتقديم بيان إفلاسها.

وبخلاف المؤشرات الاقتصادية فهناك مؤشر بالغ التأثير؛ يتحكم ويؤثر بشكل مباشر بالاقتصاد، فمع تدني الاستقرار السياسي والعلاقات الترابطية بين دول العالم، وظهور أزمات وخلافات بين الكثير من الدول، ومنها العظمى فهذا كله سيدعم مؤشرات الانخفاض الاقتصادي، فلا ارتفاع دون استقرار.

هذه المؤشرات جميعها تستدعي وضعها في الحسبان عند دراسة أي مستقبل اقتصادي. والحمد لله أننا نملك الكثير من مقومات القوة الاقتصادية في الإمارات، فبنية الاقتصاد المحلي تعد الأكثر تنوعاً على مستوى المنطقة، كما تقلصت حصة النفط من الناتج المحلي الإجمالي إلى أدنى مستوياتها، الأمر الذي يمنح الاقتصاد المحلي قدراً كبيراً من الحصانة والمناعة، خاصة في ظل سعي الحكومة لاتخاذ اجراءات استباقية تعزز من جاذبية الاقتصاد المحلي وتعزز من قدرته على استيعاب أي تداعيات للأزمات الاقتصادية والمالية الدولية.

ويمتد هذا النهج الاستباقي ليشمل حرص الحكومة على اتخاذ إجراءات تحفز نمو القطاعات الاقتصادية المختلفة، تمثل أحدث هذه المبادرات في توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، للمؤسسات والدوائر الحكومية بتخفيض تكلفة ممـارسة الأعـمال وتـسهيل مزاولة الاستثمار ضمن سلسلة من الرؤى والخطط والمبادرات المحفزة للنمو الاقتصادي، والحفاظ على بيئة محفزة للاستثمار تتيح للدولة الحفاظ على مكانتها الرائدة عالمياً.

هذه الخطوة التي أتت في الوقت المناسب، تحمل أبعاداً كبيرة لأنها تساهم في تمكين الأعمال من خفض كلفتها التشغيلية، وهو أمر حاسم في تعزيز التنافسية وتشجيع الاستثمار والمستثمرين.

وهناك تطور آخر مبشر في هذا المجال، يتمثل في الانخفاض المسجل في الإيجارات في البلاد، حيث يمثل بند الايجار نسبة لا بأس بها من الكلفة التشغيلية للأعمال في مختلف القطاعات، ومن شأن استمرارهذا التراجع في الإيجارات نتيجة تزايد المعروض أن يعزز من الجاذبية الاستثمارية للبلاد وتمكينها من جذب المزيد من الاستثمارات الدولية الراغبة في الاستفادة من مكانة دولة الإمارات كمركز دولي للمال والأعمال والتجارة والسياحة والخدمات، يخدم أسواقاً ضخمة تضم مليارات المستهلكين ويمتد بين شمال وشرق أفريقيا وجنوب ووسط آسيا وشرق أوروبا.

ويشكل وجود مناطق حرة ومناطق صناعية استثمارية خيارات نوعية للمستثمرين، تمنحهم بيئة تحتية فائقة الحداثة بتكلفة تنافسية، كما تشكل قطاعات الاقتصاد الجديد التي قامت الخطط التنموية للدولة في التركيز عليها خلال السنوات القليلة الماضية مزيداً من الفرص الاستثمارية.

توجيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لأصحاب القرار والمسؤولين ليجلسوا على طاولة النقاش والحوار والتشاور ليضعوا «معايير السعادة الاستثمارية» ليوفروا تلك المعايير للمستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال لتكون بيئتنا «السعيدة» هي الأسعد بالنسبة لهم فيتخذوا من أرضنا مقراً لأعمالهم، ولدينا كل المقومات التي تخدمهم من بنية تحتية وموانئ ومطارات ومكانة عالمية وعلينا الاستمرار في المحافظة على معدل التنافسية الاقتصادية العالمية.

 

 

تعليقات

تعليقات