كيف ننمي قيم التعاطف والتسامح لدى أطفالنا؟

هل تساءلتم مرة، متى يبدأ الطفل الصغير بالشعور بالتعاطف مع الآخرين؟.

في المراحل الأولى من حياتنا، يكون كل همنا الحفاظ على حياتنا، لذلك يحتل الطعام والدفء والسلامة سلم الأولويات في حياتنا، كي تواصل أدمغتنا وأجسامنا النمو، ولكن ماذا عن تنامي مشاعر الإحساس والتعاطف مع الآخرين؟.

التعاطف مع الآخرين مهارة يتعلمها الأطفال، وهذه المهارة ذات أهمية كبيرة لكل إنسان، ولا تعتمد على الوراثة، مثل الذكاء أو الجمال أو الملامح.

فإن كنا نتبنى رؤية إنسانية، ونقدر ونحترم الناس، بغض النظر عن العرق أو الهوية أو الجنسية أو المستوى الاجتماعي - الاقتصادي، ونجسد هذه الرؤية التي تقوم على جوهر التعاطف في كل ما نقوم به، سينعكس ذلك حتماً على أولادنا، فمن المهم أن نتذكر دائماً، أن الوالدين أفضل من يعلم قيم التسامح والتعاطف، إذ يتعلم الأطفال تلقائياً من سلوك والديهما، ويحذون حذوهما، كي نكون قدوة صالحة لهم.

وإننا نجد أولادنا الذين يتمتعون بمشاعر الإحساس بالآخرين والتعاطف معهم، يتفوقون في الدراسة وفي الحياة الاجتماعية، وفي أعمالهم ووظائفهم.

يبدأ الأطفال الصغار في عمر السنتين، بالتعبير عن التعاطف الحقيقي، وفهم مشاعر الآخرين، وتلمس آلامهم، فهم غالباً ما يحاولون إسعاد من حولهم وتهدئة مشاعرهم. ولا بد أن نحرص على السلوكيات السليمة في كل صغيرة وكبيرة، فعلى سبيل المثال، حين يلاحظ أطفالنا أثناء اصطحابهم للمتجر شخصاً ذا أنف كبير، ليس من اللطيف التعليق عليه، أو الضحك أو الاستهجان.

وماذا أيضاً؟، كيف يمكننا تشجيع التعاطف لدى أطفالنا؟، تعد الكتب من أهم روافد التنمية الشعورية، وتسهم إلى حد كبير في مساعدة أولادنا على مشاهدة العالم من خلال عيون الآخرين. إن التعلم من خلال القراءة عن العصور المختلفة، والبيئات والمواقف الأخرى، يسمح لهم بالتواصل والتعاطف مع مجموعة واسعة من الشخصيات والظروف والأفكار.

تمنح القراءة أطفالنا فرصة رائعة للتحاور مع الشخصيات، وسؤالهم عن شعورهم، ما يساعدهم في المواقف الحياتية الأخرى، ويترسخ في نفوسهم تقبل الآخرين، حتى لو كانوا مختلفين، والتعاطف مع الآخر، يشكل عنصراً أساساً في المجتمعات التي تقدم رعاية لأفرادها. ويجب أن يبدأ من السنوات الأولى.

يمنحنا العيش في دولة الإمارات العربية المتحدة، فرصةً ثرية ضمن مجتمع متعدد الجنسيات والثقافات، ويبرز هذا الثراء الثقافي، أكثر ما يظهر، في المدارس في جميع أنحاء البلاد، إذ يتكون مجتمع مدرسة في الكثير من الأحيان من أكثر من 50 جنسية، ويجلب هذا التعدد، الكثير من الميزات التي لا تتوفر في دول أخرى.

عندما كنت طفلة نشأت في كامبريدج، كان جميع زملائي، الذين ولدوا في كامبريدج، أو بالقرب منها، يشبهونني في كل شيء.. فقد كنا نتناول ذات الأطعمة، ونعيش في منازل مماثلة لحد كبير.

لكنني كنت محظوظة، لأن والديّ قد سافرا وانتقلا لأكثر من مكان وبلد، وقد وفرت لي معرفتهما الكوزموبوليتانية فهماً لعالم أكبر. كان والدي قد أمضى عدة سنوات في نيجيريا، ولطالما سعدت بالاستماع إلى قصصه التي تحكي العجائب والغرائب، مثل العثور على ثعبان في حذائه الطويل.. حدثني كثيراً عن الوقت الذي أمضاه في العيش في أماكن مختلفة.

لقد تأثرت كذلك بالكتب التي قرأتها في سن صغيرة، وعرفتني بعوالم وأزمان أخرى. لقد أحببت «هايدي» للكاتبة السويسرية، يوهانا شبيري، وتعلمت عن الطفلة اليتيمة، وعن حياتها مع جدها، وعن راعي الماعز «بيتر»، وكنت أعايشها في خيالي، وكأنني أعيش في شاليه في الجبال السويسرية، وتابعت كل تفاصيلها في رحلة رائعة مع قصتها.

ومن اللافت حقاً، أن هذا التعايش الذي تخلقه القراءة، لا ينتهي بنهاية فترة الطفولة.. فهناك كتب لا يمكن أن تنتهي آثارها مدى الحياة، ومن الروايات التي يمتد أثرها مدى الحياة، رواية «الأعجوبة»، للكاتبة آرجيه بلاسيو، تتحدث الرواية عن «أوجي»، طفل بالعاشرة من عمره، يعاني منذ ولادته حالة نادرة جداً من التشوه الخلقي، نتيجة عيب بالجينات، ومن خلال أوجي، نتعلم الكثير عن التعاطف، وعن أننا يجب ألا نحكم على شخص من خلال مظهره فقط، وتعزز الرواية لدى كل من يقرأها، مجموعة من قيم التسامح الإنساني، إنها من أكثر القصص التي قرأتها إلهاماً.

إنه لأمر رائع، أن نعيش في بلد ابتكرت وزارتين للتسامح والسعادة، وتبذل حكومتها قصارى جهدها، لأن يعيش الجميع في مجتمع متسامح، ولجعل مواطنيها سعداء، وأناشدكم بدوري، من خلال هذه المقالة، أن تسهموا في هذه المساعي الخيرة الطموحة، من خلال مطالعة مجموعة واسعة من الكتب، قدر استطاعتكم.

هناك العديد من المؤلفات التي توسع مدارككم، وتعمق خبراتكم وفهمكم للأماكن والحقائق والعصور، وتمكنكم من التعرف إلى التحديات لمواجهتها، يمكنكم مطالعة أي كتاب يناسبكم، ويتناول قضية تهمكم، فكل كتاب نرتحل معه، يغير فينا الكثير، ويجعلنا أشخاصاً أفضل.

طالعوا لتكونوا في الطليعة!

تعليقات

تعليقات