الاقتصاد المصري في سبعين عاماً

الاقتصاديون متفقون في ما بينهم على اعتبار المؤشرات الثلاثة الآتية معايير جديدة للحكم على الأداء الاقتصادي لدولة ما، في فترة معينة:

1. معدل نمو الدخل (أو الناتج) القومي للفرد الواحد.

2. مدى التحسن أو التدهور في البنيان (أو الهيكل) الاقتصادي، أي نوع من التغير في مكونات الناتج القومي، كزيادة نصيب الصناعة مثلاً أو انخفاض في إجمالي الناتج، أو ارتفاع أو انخفاض نصيب قطاع الخدمات على حساب نصيب الصناعة.

3. مدى التحسن أو التدهور في توزيع الدخل: هل زادت الفجوة بين الطبقات الاجتماعية أم نقصت؟

فإذا طبقنا هذه المعايير الثلاثة على ما حدث للاقتصاد المصري خلال السبعين عاماً الماضية من الممكن القول، فيما أعتقد، إن أفضل الفترات هي فترة (1956-1965) أي التسع سنوات الواقعة بين تأميم قناة السويس وانتهاء سنوات الخطة الخمسية الأولى، ففي هذه الفترة تراوح معدل نمو الدخل للفرد الواحد بين6% و7%، وهو ما لم يبلغه قط في الخمسين عاماً السابقة على الأقل، ولم يبلغه بعد ذلك إلا في العشر سنوات التالية للانفتاح الاقتصادي (أي خلال 75-1985)، ولكن هذه العشر سنوات شهدت تدهوراً في البنيان الاقتصادي، إذ تراجع نصيب الصناعة بشدة لصالح قطاع الخدمات.

لا بد أن يلاحظ المرء أن هذه الفترة (56-1965) التي شهدت تحسناً كبيراً في هذه المؤشرات الثلاثة (معدل النمو ومعدل التصنيع وتوزيع الدخل)، اتسمت أيضاً باشتداد ساعد الدولة وقيامها بدور مهم في توجيه النشاط الاقتصادي، على عكس ما سمى نظام الحرية الاقتصادية الذي ساد قبل ذلك، وما ساد في عهد الانفتاح بعد هذه الفترة، لا بد إذاً أن نعترف باقتران تدخل الدولة في مصر في هذه الفترة بتحسن الأداء الاقتصادي بأن السياسة الاقتصادية المثلى هي تلك التي يتقلص فيها دور الدولة إلى أقل قدر ممكن.

هذا الاعتقاد الشائع ليس في نظري إلا «موضة» من موضات الفكر الاقتصادي، التي تنتشر في فترة وتختفي في أخرى، بل تستند فقط إلى درجة القوة أو الضعف التي يتسم بها النشاط والخاص بالمقارنة بالقطاع العام والتدخل الحكومي.

هذا التقلب في سمعة النشاط الخاص ودور الدولة قد يرجع إلى أسباب سياسية دون سند قوي من الواقع ففي خمسينيات وستينيات القرن الماضي تمتع المعسكر الاشتراكي، وعلى رأسه الاتحاد السوفييتي، بسمعة اقتصادية طيبة (حتى وإن اشتد الهجوم عليه بسبب غياب الديمقراطية)، ثم أدى سقوطه وتفكك الدول السائرة في فلكه، إلى شيوع الهجوم على تدخل الدولة في الاقتصاد إلى حد أن الزعم بأنه بسقوط الاتحاد السوفييتي انتهى إلى الأبد عصر تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي.

وشاع منذ ذلك الحين القول بمزايا الانفتاح الاقتصادي، ورفض ما تفرضه الدولة، أي دولة، من حماية لاقتصادها، ومن ثم شاع الاعتقاد بأن أي شيء تفعله الدولة لا بد أن يكون ضرره أكثر من نفعه، وبأن ترك الحرية الكاملة للقطاع الخاص هو السياسة المثلى.

حدث هذا في مصر كما حدث في غيرها، بل أصاب الصين كما أصاب الدول الأخرى، وها نحن نعيش الآن في ظل هذا الاعتقاد الذي لا يكاد يجرؤ أحد على تحديده.

هل يمكن تفسير انتشار هذا الاعتقاد باشتداد ساعد الشركات متعددة الجنسيات، ابتداء من أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، وسيطرتها المتزايدة على وسائل الإعلام؟ إني أرجح أن هذا هو التفسير الصحيح.

لقد تحولت السياسة الاقتصادية في مصر خلال السبعين عام الماضية من الشيء إلى نقيضه، فتراخى بشدة دور الدولة في الاقتصاد وزاد بشدة دور النشاط الخاص، ولكن ليس هناك ما يؤكد أن هذا التحول باق إلى الأبد.

إن السياسة الاقتصادية تتغير كما تتغير الموضات، فقد نفاجأ بعودة دور الدولة إلى ما عهدناه منذ ستين عاماً. قد يحدث هذا عندما ينتشر السخط على أداء الشركات الخاصة في إشباع حاجات الناس الأساسية، وعلى تأثيرها المتزايد في وسائل الإعلام بل وحتى في نظم التعليم.

ومن ثم يجب ألا نستغرب أن نجد الدولة في مصر وقد استعادت دورها القديم في الاقتصاد القومي، وأن يستمر ذلك طالما شعر الناس بأنها تحقق وظائف ضرورية في خدمة الناس.

 

 

تعليقات

تعليقات