موعد مع الأمل

مرت منذ بضعة أيام الذكرى الخامسة عشرة للغزو الأميركي الذي أسقط الدولة العراقية، بكامل مؤسساتها، ليعيد بنائها وفق الرؤى الأميركية، وبأيدي قوى المعارضة للنظام السابق، على أسس جديدة ظاهرها ديمقراطي، إلا أن جوهرها غير ذلك تماماً.

ظل قرار الحرب على العراق موضع اهتمام طوال السنوات المنصرمة؛ فوفق استبيان أجراه مركز الأبحاث والدراسات الأميركي «بيو» أواسط مارس المنصرم اتضح أن الرأي العام الأميركي يزداد انقساماً في الموقف من القرار، فقد اعتبر (48%) ممن اشتركوا في الاستبيان أن قرار الغزو كان خاطئاً.

في حين كانت نسبة هؤلاء في الشهر نفسه من عام 2003 (22%) فقط. هذه الصحوة أو النضوج لا تعيد عقارب الساعة إلى الوراء، إلا أنها لا تشجع الإدارة الأميركية على الإقدام على اتخاذ قرارات مشابهة لا تتمتع بشعبية في الداخل.

من جهة أخرى، لا تتوافر لدينا أرقام مماثلة تشير إلى مواقف العراقيين من قرار غزو بلادهم، ولكن الأحداث والمآسي التي مر بها البلد منذ ذلك الحين تتحدث عما جعله الغزو الأميركي ممكناً:

اقتتال داخلي، ظاهر أحياناً وخفي في أحيان أخرى، على أسس عرقية وطائفية مزقت النسيج المجتمعي، أمراض قديمة مدمرة تعود للظهور وتفعل فعلها في تمزيق البنية المجتمعية، أمراض مدمرة أخرى ولدت لحماية وشرعنة فساد غير مسبوق على جميع المستويات..

هذا بعض ما ترتب على الغزو الأميركي، إلا أنه ليس كل شيء؛ فالانسحاب الأميركي المبكر خلف فراغاً أمنياً كبيراً، دفع العراق نحو محنة أخرى بظهور تنظيم داعش الذي ألحق على مدى أربع سنوات أبلغ الأضرار بمدنه واقتصاده وبنيته المجتمعية إضافة إلى الخسائر البشرية.

خمس عشرة سنة، أسهمت في تشويه صورة العراق، وشعبه، ودوره الحضاري عبر التاريخ، من خلال سياسات غير مسؤولة لم يكن هاجس الوطنية العراقية هو ما يحركها، ففشلت في مقاربة القضايا الملحة، وأججت الصراعات الداخلية بدل إطفائها، وفاقمت من عزلة العراق عن محيطه العربي.

إن ما تحمله إرهاصات الحاضر من دلالات عن صورة المستقبل فيه بعض مما يستوجب التوقف عنده لأنه إيجابي، إذ لم تتعرض أحزاب الإسلام السياسي، بهوياتها المختلفة، لاختبار مصداقية دعواتها على أرض الواقع في أي بلد، كما تعرضت لهذا الاختبار في العراق وخرجت منه فاشلة بامتياز.

ينتظر البعض ببعض التفاؤل والأمل يوم الثاني عشر من مايو المقبل، موعد الانتخابات التشريعية الثالثة، وبظنهم أن الوقت حان لترجمة التذمر العام من سوء الأوضاع إلى فعل تغييري، يبعد النخب السياسية، المسؤولة عن الفساد والتفريط بحقوق الإنسان، عن المشهد السياسي.

الانتخابات المقبلة لن تقرر مستقبل العراق بشكل مباشر، بل تقرر ذلك التحالفات، التي بدأ التحضير لها بحماسة؛ فالخارطة الانتخابية ستفرز واقعا مختلفا عن انتخابات عام 2014 أو التي سبقتها.

فقناعة الجميع اليوم أنه لن تكون هناك فرصة لحزب واحد، أو تكتل انتخابي معين، في الفوز بما يمكن من الاستئثار بالحكم كما حصل في الماضي؛ لذا تم فتح بوابات الصفقات بين النخب السياسية التقليدية مبكرا تمهيداً لتحالفات تبرم بعد الانتخابات لتكريس الاستئثار بالحكم.

هناك وجوه آثرت الاختفاء أو الابتعاد عن المسرح السياسي، أو ربما اختارت أدواراً أخرى من خلف الستار لأنها لم تعد مقبولة لدى الناخب العراقي، كما أن بعض الأحزاب اتخذت إجراءات تجميلية لصورتها بإقصاء بضعة فاسدين، دون أن تمس برموز الفساد الكبيرة التي حصنت نفسها، وتتمتع بغطاء سياسي وأمني.

في ضوء التدخلات الإقليمية المفضوحة، من الصعب جداً تقبل فكرة أن انتخابات مايو المقبل ستكون نزيهة، وأن الأيادي المسؤولة عن تداول مدخلاتها ومخرجاتها قد غُسلت بمياه طاهرة.

فقد بدأ المال السياسي يقوم بدوره، وافتتحت أسواق بيع الأصوات الانتخابية على نطاق واسع لعدم وجود إجراءات رادعة قوية، فالأجواء السياسية في العراق لم تمسسها بعد أدوات مكافحة الفساد رغم كثرة الدعوات والمناشدات لذلك.

 

تعليقات

تعليقات