#هلا_بالصين - الأسبوع الإماراتي الصيني

ماذا بقي من مارتن لوثر كنج؟

تابعت تغطية الإعلام الأميركى للذكرى الخمسين لاغتيال مارتن لوثر كنج، زعيم حركة الحقوق المدنية، فوجدتها تستحق التأمل. فهي مالت نحو الشخصنة والتبسيط بما لا يتناسب بالمرة مع تاريخ الرجل ولا مع حركة مهمة كتلك التي قادها.

ويستحق الإشادة بالتأكيد أن عدداً من كبريات الصحف الأميركية أفسحت المجال لقراءة ما تحقق من أهداف مارتن لوثر كنج، والانتكاسات التي وقعت بل وما لم يتحقق أصلا. فقد نشرت بعض الصحف تحقيقات عززتها بالأرقام الرسمية تعكس حجم الفجوة التي لا تزال قائمة بين السود والبيض في نسب البطالة وفرص التوظيف والتمييز في الأجور.

كما نشرت أخرى تحقيقاً عن المحاولات المستميتة اليوم لحرمان السود من التصويت، تماماً كما كان الحال زمن الفصل العنصري، بينما تناولت غيرها بعض ملامح أوضاع السود بعد عقود من اغتيال مارتن لوثر كنج.

غير أن ما فعله الإعلام بتلك الذكرى كان لافتاً من أكثر من زاوية أخرى. فأول ما لفت انتباهي في التغطية، المقروءة والمرئية، كان الشخصنة.إذ كان هناك ميل واضح للتركيز شبه الكامل على مارتن لوثر كنج نفسه، دون الحركة نفسها، وكأن الرجل كان قائداً، دون حركة اجتماعية ضمت عشرات الآلاف كان هو زعيمها.

فمثلها مثل كل الحركات الاجتماعية، لا يمكن تحديد زمن بعينه بدأت فيه حركة الحقوق المدنية. فالبعض يؤرخ لها باليوم الذي رفضت فيه روزا باركس عام 1955 أن تتخلى عن مقعد الباص لرجل أبيض والتفاعلات التي تلت ذلك اليوم من مقاطعة الباصات في مدينة مونتجمري.

بينما يعتبر البعض الآخر أن الحركة بدأت قبل ذلك بأعوام عبر سلسلة القضايا التي شاركت في رفعها إلى المحكمة العليا الجمعية العامة للنهوض بالشعوب الملونة والتي انتهت بصدور قرار المحكمة التاريخي بحظر الفصل العنصري في المدارس العامة عام 1954.

لكن أياً كان موعد بدء الحركة، فإن المؤكد أن كفاحاً طويلاً كان موجوداً بالفعل وأن مارتن لوثر كنج كان معه آخرون بالضرورةـ وأن الحركة ذاتها تظل، بنجاحاتها وإخفاقاتها، هي أهم ما سجله التاريخ عن دور مارتن لوثر كنج.

ومثلما كانت التغطية غير مناسبة في شخصنتها، خصوصاً إذا ما تعلق الأمر بحركة بحجم حركة الحقوق المدنية، فقد انطوت على درجة عالية من التبسيط فيما يخص مارتن لوثر كنج نفسه، حيث اختزلت الرجل في لقطات سريعة تظلم تاريخه.

فمارتن لوثر كنج في الإعلام هو ببساطة صاحب الخطاب الشهير الذي شرح فيه «الحلم» الذي يريد تحقيقه، وهو أن يأتي اليوم الذي يتم فيه الحكم على المرء في أميركا بناء على طبيعة شخصيته لا لون بشرته.

وفى تلك الصورة المغالية في التبسيط، تتلاشى تماماً كل خطب مارتن لوثر كنج الأخرى، والتي كان فيها داعياً ليس فقط لإنهاء الفصل العنصري والتمييز، وإنما للمساواة الاقتصادية التي أوضحت كبريات الصحف الأميركية أنها لم تتحقق حتى الآن.

ومما يدعو للتأمل أنه لا توجد في تلك الصورة أية إشارة بالمطلق لمناهضة مارتن لوثر كنج العلنية لحرب فيتنام، والتي يرى الكثير من المؤرخين أنها كانت السبب الرئيسي الذي أثار حفيظة أغلب المؤسسات الأميركية ضده، بما فيها مؤسسة الرئاسة، والرئيس ليندون جونسون شخصياً.

وكان لافتاً أيضاً أن احتفاء الإعلام الأميركى بمارتن لوثر كنج أشبه بالاحتفاء بالمشاهير من نجوم المجتمع لا بالشخصيات التاريخية المهمة. فحتى الصحف الكبرى التي اهتمت بإلقاء الضوء على الواقع المؤلم والذي لا تزال فيه الفجوة هائلة بين السود والبيض، فإنها غسلت حياة الرجل تماماً من أي ما قد يدين مجتمعه.

فصورة مارتن لوثر كنج الذي قدمها الإعلام كانت لرجل عليه إجماع كبير في وطنه. وتلك أبداً لم تكن الحقيقة حين كان الرجل حياً.

فهو في حياته لم يحظ بالاحترام والتبجيل الذي تعامل به ذكراه اليوم. فرغم أنه اليوم يقدم باعتباره رمزاً «معتدلاً» بالمقارنة برموز سوداء أخرى عاصرته، فقد كان ينظر إليه وقتها باعتباره راديكالياً ومثيراً للجدل معاً.

فهو اتهم، في حياته، بأنه كان «شيوعياً»، ليس فقط لإصراره على تغيير الواقع الاقتصادي للسود ودعوته للمساواة الاقتصادية، وإنما أيضا لمناهضته لحرب فيتنام. أكثر من ذلك، فمسيرة واشنطن التي ألقى فيها خطبة «الحلم»، التي صارت وحدها مرادفاً لكل تاريخ مارتن لوثر كنج، كانت في ذاتها شديدة الجدلية في ذلك الوقت، واعتبرت تكتيكاً مرفوضاً وقتها.

والإعلام الأميركى بتغطيته تلك لذكرى مارتن لوثر كنج هو أحد تجليات الحالة الأميركية المتعلقة بالمسألة العرقية. فما فعله الإعلام الأميركى بمارتن لوثر كنج وحركة الحقوق المدنية يجسد طريقة تعامله مع المسألة العرقية. وهو نفسه ما يقدمه التعليم الأميركى من شخصنة وتبسيط واختزال لمسألة بالغة التعقيد في الواقع الأميركى المعاش.

 

 

تعليقات

تعليقات