كأس العالم 2018

«الدولة العميقة» حضور دائم

يتردد في الندوات التي تعقد لمناقشة الأوضاع السياسية في هذا البلد أو ذاك مصطلح «الدولة العميقة»، في سياق تفسير موقف سياسي يصدر عن دولة تشهد حالة استقرار على أمد طويل في سياساتها الخارجية، بغض النظر عن حجم هذه الدولة.

وقد اعتاد المختصون في العلوم السياسية على إطلاق هذا المصطلح الحديث جداً في معجمهم على الدور الذي يلعبه بعض الأفراد أو بعض المؤسسات في ممارسة سلطة حقيقية في الخفاء بمعزل عن القادة السياسيين أحياناً، وبقدرات تفوق قدرات الذين يشغلون صفحات وسائل الإعلام.

«الدولة العميقة» وصف للكيان المُغيب عن الأنظار وغير الملموس الذي يرعى ويديم مصالح وطموحات شبكة معقدة من المؤسسات الصناعية والتجارية والاقتصادية والمصرفية والمعلوماتية والعسكرية والأمنية والإعلامية والدينية والثقافية، بغض النظر عن طبيعة النظام القائم في الدولة، ملكياً كان أم جمهورياً.

ومع أن لكل من هذه المؤسسات دوراً معيناً في حجم قرارات هذه «الدولة العميقة» إلا أنها تستمد سلطتها الحقيقية من دوائر الأمن القومي والاستخبارات، فلم يخفِ مدير وكالة المخابرات الأميركية السابق جون برينان ذلك حين ذكر في مؤتمر عقد أواسط يوليو 2017 أن المسؤولين في السلطة التنفيذية «ملزمون برفض تنفيذ» الأوامر الشائنة أو المناهضة للديمقراطية من الرئيس دونالد ترامب.

حين نتابع على سبيل المثال سياسة الولايات المتحدة الخارجية لإدارة الرئيس ترامب لا نجدها مختلفة عن سياسة إدارة سلفه أوباما إلا في شؤون ثانوية الأهمية، على الرغم من أن ترامب قد وعد خلال حملته الانتخابية بخطط يعدها للتعاون مع نظيره الروسي بوتين لحل القضايا الدولية الشائكة التي خلفتها إدارة أوباما في الشرق الأوسط وفي مناطق أخرى من العالم.

فها نحن نشهد بعد مرور أكثر من سنة على تولي ترامب سدة الحكم أن لا تغيير، بل استمرار النهج نفسه مع روسيا، فقد أحكمت «الدولة العميقة» الطوق حول ترامب وقيدت يديه وشلت خطاه، فمن يحكم في الحقيقة ويرسم المعالم الرئيسية للاستراتيجية الخارجية الأميركية هي هذه الدولة التي لا قدرة لأوباما أو ترامب أو غيرهما على الانحراف عما رسمته.

فالشبكة المعقدة من المصالح والنفوذ التي يفرضها شارع المال «وول ستريت» في مدينة نيويورك ودوائر الاستخبارات والأمن الداخلي والقوات المسلحة والمؤسسات المصرفية والشركات النفطية والتقاليد الأميركية المتوارثة وغيرها هي الحاكم الحقيقي على الرغم من أنها غير منتخبة، فهي من يضع الأجندة السياسية ويمول الحملات الانتخابية ويقرر من سيكون الرئيس.

قد يسبب مصطلح «الدولة العميقة» قدراً من الالتباس لدى البعض، ويدفعه لتصور أن عناصر هذه الدولة غير الواضحة المعالم متشابهة أو متقاربة في كل مكان.

إلا أن الأمر ليس كذلك، فنشوء الدولة العميقة عملية معقدة تشتبك بها المصالح الاقتصادية والسياسية، وتلعب في أحيان كثيرة الانتماءات العرقية والدينية والمذهبية دوراً كبيراً في رسم معالمها في بعض الدول، فمعالم الدولة العميقة في لبنان مثلاً غير معالمها في أي دولة أخرى في المنطقة.

لا تتأثر سياسات «الدولة العميقة» وخططها الطويلة الأمد بالإدارات المتغيرة، فهي التي تسيطر على السلطة الحاكمة وتوجه سياساتها ومهمتها الأساسية تكمن في مقاومة التغيير، سواء بالوسائل السلمية أو من خلال العنف إن تطلب ذلك.

استقرار النظام السياسي شرط أساسي لنشوء هذه الدولة وتطورها، ففي التغيرات الحادة أو المنعطفات الهامة في حياة الشعوب تتغير المعالم التي تصنع «الدولة العميقة» بصورة قد تكون جذرية كما حصل في العراق عند إسقاط النظام السابق.

«الدولة العميقة» موجودة بطريقة أو بأخرى في كل بلد تقريباً، وقد أصبح البعض منها قوية جداً باستنادها إلى نسيج معقد من الممارسات والتقاليد الراسخة، فهناك «دول عميقة» أكثر من غيرها عمقاً وغطرسة كسبت قوتها عبر اللوبيات والمافيات والميليشيات التي تلعب أدواراً بارزة فيها، أو عبر صلات أقامتها مع قوى إقليمية أو دولية أو مع منظمات خفية ذات نفوذ دولي قوي.

ومع أن حكم «الدولة العميقة» قائم بشكل فاعل وبطرائق شتى منذ البدايات الأولى لتشكيل الدول في الشرق أو الغرب على السواء، إلا أن المصطلح ليس قديماً، فهو يرجع إلى تسعينيات القرن المنصرم حيث نشأ للمرة الأولى في تركيا للتعبير عن الكيان الحقيقي الذي يرسم شكل النظام السياسي القائم ويديم بقاءه، وهي القوات المسلحة التي أخذت على عاتقها حماية النظام العلماني الذي أسسه مصطفى كمال بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية.

 

 

تعليقات

تعليقات