طعام.. حب.. أدب هل نأكل لنعيش - أم نعيش لنأكل؟

أحب الأشياء لنفسي الكتب والأطعمة الشهية، وعندما تجتمع الكتب مع ما لذ وطاب يقترن بها تمام البهجة واكتمال المتعة. ولدي مجموعة كبيرة من كتب الطهو الرائعة؛ ورثت الكثير منها عن والدتي التي كانت، «رحمها الله» قارئة شغوفة، وطاهية ماهرة تعد لنا أشهى أطباق الطعام.

لقد كانت كتب الطهو التي تطالعها أمي «رحمها الله» بسيطة للغاية، تفتقر للإخراج الجميل والصور والشرح الدقيق، أما في أيامنا هذه، فتوفر لنا مطالعة كتب الطهو متعة فائقة بما تشتمل عليه من وصف دقيق ومصور للتعليمات وبما تحتويه من صور للأطباق ومن إخراج رائع للوصفات والمقادير.

بعض الكتب التي في مكتبة بيتي لن تجذب انتباه جمهور اليوم لأنها تكاد تخلو من أي صور أو رسومات، وتشتمل على تعليمات مفصلة حول كيفية إعداد الأطعمة.

في أيامنا تفضل ربات البيوت كتب الطهو الأكثر مبيعًا، والتي غالبًا ما ترتبط بخبراء الطهو الذين يقدمون البرامج التلفزيونية، لأنها توفر عليهم الكثير من الجهد وتجنبهم المغامرة!

وربما ينأى بنا استغراقنا في متابعة الطهاة، ومطالعة كتب الطهو، عن تعقب تاريخ وصفات الطعام. هل تساءلتم مرة متى سُجلت الوصفات الأولى لأطباق الطعام وتم تداولها؟

أظهرت بعض الأبحاث أن هناك وصفات لإعداد الأطعمة لدى كل من البابليين والرومان وقد عثر على أربع نماذج بابلية ورومانية، ولكن كتب الطهو لم تظهر على الساحة الأدبية العالمية إلا مع العرب الذين بدأوا بتجميع وصفات الطهو في القرن العاشر، وقد وصلت تلك الوصفات إلى أوروبا، وبلغت ذروة شهرتها في القرن الثالث عشر.

يعد كتاب «الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيّبات والطيب» إبان القرن الثالث عشر، وهو لمؤلف سوري، أحد أقدم كتب الطهو المتوفرة بين يدينا وأشهرها، وقد تصدر قوائم الكتب جميعها في العصر الذهبي لكتب الطهو، وما يزال يجتذب الذواقة ومؤرخي الحضارات حتى يومنا هذا. ويصف مؤلف «أو ربما مؤلفة» الكتاب، الذي لم يظهر اسمه، الطعام بأعظم متعة من متع الحياة.

إضافة إلى كتب الطهو التي تتناول أطباق الطعام، تتناول العديد من الروايات، للقرّاء من جميع الأعمار، الطعام وأطباقه اللذيذة بأشكال وأساليب متنوعة. ويتبادر إلى ذهني هنا كتابان من كتب الأطفال الكلاسيكية هما «أليس في بلاد العجائب» للويس كارول ووقائع حفلة شاي صانع القبعات المضحك، وقصة «شارلي ومصنع الشوكولاتة» لرولد دال، إذ كرس المؤلف جُل كتابه لحب الشوكولاتة، حيث يسعى الكل للحصول على واحدة من البطاقات الذهبية الموجودة داخل عبوات الشوكولاتة، كي يتمكن من زيارة مصنع «ويلي ونكا» للشوكولاتة والتعرف على أسراره.

في العديد من الروايات، يلعب الطعام والوجبات دورًا هامًا في الحبكة الروائية، مما يضفي شيئا من الأصالة والواقعية، ففي جميع أنحاء العالم، يتناول الناس ثلاث وجبات يوميًا. لذا فمن المنطقي أن يتم تضمين الطعام والمشروبات والمآدب الاحتفالية في المذكرات والروايات، لإضفاء خصوصية على عنصري الزمان والمكان.

وفي قصص التشويق، غالبًا ما يحتسي المخبر أو المفتش القهوة وهو يتحرى الأدلة ويتأمل مع القرائن. وفي الكثير من أعمال تشارلز ديكنز، يرد ذكر ووصف الأطعمة، فهناك وصف لكعكة الزفاف التي أكل الدهر عليها وشرب، ومائدة الزفاف في رواية «الآمال الكبيرة»، وهو ما يشكل مفارقة كبيرة لو مقارنة بواقع الأولاد الجياع في الإصلاحية في رواية أوليفر تويست.

ولطالما واءم الاحتفاء بالأطباق الشهية الاحتفاء بالأدب؛ فجلسات الأدب مآدب، ولدى العرب تراث أصيل وتقاليد تجمع بين الأدباء والكتّاب حول ما لذ وطاب من الأحاديث الشجية والأطباق الشهية، فعادة ما يتجمع الأدباء في مقهى مختار للقراءات والمناقشات الأدبية، ومن الملفت أن هذه التقاليد مازالت تجمل لحظاتنا، فقد برز العديد من المقاهي الأدبية في الإمارات العربية المتحدة، من مكتبة ومقهى «كتّاب» التي أسسها الناشر والكاتب جمال الشحي، إلى مقهى بوك منش «Bookmunch» الذي يوفر جوًا عائليًا في كنف الكتب والأطعمة الصحية اللذيذة.

في الدورة الأخيرة من مهرجان طيران الإمارات للآداب، حظيت الأطعمة وتراثها وبرتوكولاتها بحظ وافر، وقد كنت محظوظة بصحبة خبيري الطهو الرائعين «مادور جافري» و«كين هوم». وبالاستماع لهما والتعرف على إرث أجدادهما العظيم، وقد استمتعنا بأطباقهما الشهية ووصفاتهما الرائعة.

وقد كان لمشاركة «كلوديا رودن» و«غاية الظاهري»، أثرًا كبيرًا على جمهور الحضور عندما تحدثتا ببلاغة قل نظيرها عن القهوة وتاريخها وأصولها في حفل توزيع جائزة مناظرة كوستا، وقد جعلني هؤلاء الكتّاب الملهمون أفكر في ضرورة التوأمة بين المآدب والأدب، فكلاهما يبعثان السعادة في حياتنا اليومية.

وأخيرًا أرغب في توجيه التحية لكافة الكتّاب الواعدين الذين يطالعون هذه المقالة، وأدعوهم إلى أن يجربوا مهاراتهم في وصف أطباقهم المفضلة والكتابة عنها، لأن ذلك، كما يقولون بالإنجليزية «غذاء للفكر»!

تعليقات

تعليقات