العرب بين حميمية الماضي وأيديولوجيات الحاضر

في عالمنا العربي هناك العديد من القضايا الفكرية التي أصبحت تشكل عبأً ثقيلاً على مراكز صنع القرار المجتمعي. أحد تلك الهواجس هو الاعتقاد بأن الشعوب العربية غير قادرة على التعايش السلمي مع بعضها البعض وغير قادرة على تقبل الاختلاف مع الآخر أو تقبل الاختلاف الموجود بين الأعراق والطوائف الموجودة في المجتمع الواحد.

وعلى الرغم من وجود تاريخ طويل من التعايش بين تلك الأطياف سواء مثلاً، في مصر أو سوريا أو العراق أو حتى البلدان العربية والتي لم تشهد حتى الآن صراعاً بين أطياف المجتمع وطوائفه، إلا أن هذا التقبل كما تشير الأخبار لم يعد موجوداً الآن بل أصبح شيئاً من الماضي. هذا الكلام ليس حقيقياً على أرض الواقع أو على الأقل على مستوى التعايش بين عامة الناس.

فالتعايش لا يزال حقيقة قائمة بين الناس في المجتمعات العربية سواء في مصر أو العراق أو سوريا أو غيرها من البلدان العربية التي تتشارك في الثقافة الاجتماعية نفسها المبنية على الترابط والحميمية والقيم نفسها المشتقة من الأديان السماوية والقائمة على التراحم والحب.

وفي واقع الأمر، لم تعرف الشعوب العربية هذه التفرقة ولم يمارس الناس التفرقة ضد بعضهم البعض إلا حين ظهرت الأيديولوجيات المختلفة وتم استغلال الشعوب لضرب بعضها ببعض وتسخيرها لتكون وقوداً لنيران حقد تلك الأيديولوجيات ولتحقيق مصالحها.

لقد عاشت الطوائف والأديان والمعتقدات مع بعضها البعض لقرون طويلة جيران وأشقاء وتزاوجت تلك الأطياف مع بعضها البعض دون النظر إلى دين الآخر وعرقه ومستواه الاجتماعي، وإذا ظهرت تفرقة أو مورس نوع من الاضطهاد فلم يصدر من الناس العاديين بل من قبل الأنظمة والمؤسسات التي لها مصالح في ظهور مثل تلك الاختلافات والنزاعات واستثمارها لأغراض سياسية وأيديولوجية بحتة.

لقد ظهر الاختلاف والتطرف والعنصرية أول ما ظهر في المجتمعات العربية التي انقلبت فيها الأحوال رأساً على عقب، وتبدلت فيها الأمور وأصبحت قيم التعايش وقوداً لتلك الحرب التي أكلت ليس فقط البشر بل القيم الاجتماعية التي عاشت عليها تلك المجتمعات لقرون طويلة وعلى رأسها التعايش الاجتماعي.

كان أهم ما يميز المجتمعات العربية في الماضي هو الحميمية بين البشر القاطنين في البقعة نفسها. فلم يكن الدين أو المذهب أو الطائفة تفرق بينهم حتى عندما كانت الأنظمة الاستعمارية والفئات الحليفة معها تعمل بآلتها العسكرية على إشعال الفتنة لإشغال الناس عن الفساد الداخلي والتعنت والظلم والديكتاتورية.

فقد كانت الشعوب من الحكمة والفطنة والوطنية ما جعلها تتكاتف وتقف سداً منيعاً ضد الظلم السياسي وضد كل تيارات الفتنة والتشتت. وطوال عقود ما قبل، ما أسموه الربيع العربي استطاعت الشعوب العربية أن تضرب أمثلة قوية على تكاتفها الاجتماعي في وجه تيارات الفتنة من أن تدخل بيتها أو تفرقها.

ولكن ما أن هبت رياح التغيير العربي المسموم القادم من الخارج والممول من جهات غير معروف توجهاتها حتى بدأت الفتنة تطل برأسها وتدخل إلى المجتمعات العربية لتفرق بين الشقيق وشقيقه، والجار وجاره من أبناء الحي الواحد.

وتدريجياً تأثرت ثقافة التسامح والحميمية السائدة بين الناس وبدأت رياح الفتنة الكريهة تضرب بجذورها في التربة العربية تحاول اقتلاع القيم الجيدة وزرع عوضاً عنها روح الخلاف ونبذ الآخر.

وظهرت تلك الروح الكريهة على شكل صراع دموي وأيديولوجي مغلف بالدين أحياناً وبالسياسة أحياناً أخرى. وكان الهدف منها تحقيق مصالح أيديولوجية وتحقيق سيطرة وهيمنة سياسية على المجتمعات العربية ومقدراتها.

وتدريجياً بدأت المجتمعات العربية تدخل في مرحلة حرجة من مراحل تغيرها الاجتماعي، وبدأ الشك يحل محل التسامح، وبدأ نبذ الآخر يحل محل تقبل الآخر، وبدأ الشر والتطرف والعنصرية يبذرون بذرتهم الكريهة في أرض المجتمعات العربية من خلال تحريض الناس البسيطة ضد بعضها البعض مستخدمين الدين والطائفة والعرق تارة والمذهب والاختلافات الإثنية الأخرى تارة أخرى.

ومما سهل تسللهم إلى قلب المجتمعات العربية اعتمادهم على أعتى الأسلحة ألا وهي الأسلحة الدعائية والتقنية ذات المردود الجماهيري المؤكد. وفي حين لم تنطلي الأساليب الدعائية الاستعمارية على الشعوب العربية في الماضي انطلت هذه الأساليب الدعائية على الشعب العربي الآن لسببين أولهما أن التغيير قادم من الداخل، وثانيهما لأن ذلك التغيير مغلف بغلاف ديني أو اجتماعي ذي شكل مقبول جماهيرياً.

إن المجتمعات العربية بحاجة اليوم إلى صحوة فكرية تقلع من تربتها كل النباتات الشيطانية التي تم زرعها فيها وتحرث فيها نبات الإصلاح والتعايش الذي من المؤكد أنه سوف يثمر ثمراً طيباً. وهذا لن يتأتى إلا حين تفوق الشعوب العربية من سباتها الموسمي وتعود إلى ألقها القديم.

 

 

تعليقات

تعليقات