الوجه القبيح لاستخدام تكنولوجيا المعلومات

فضيحة سرقة البيانات الشخصية من موقع فيسبوك واستخدامها لأغراض سياسية تكشف عن الاستخدامات القبيحة للتكنولوجيا الحديثة.

فمثلها مثل كل الابتكارات البشرية، يمكن لتكنولوجيا المعلومات أن ترتقي بمصالح الناس ويمكنها أيضاً إلحاق أضرار بالغة بالشعوب والدول. فعلى مدى أسبوع، لم يكن للإعلام الأميركي والبريطاني حديث إلا عن تلك الفضيحة، التي ارتبطت بإحدى جامعات القمة، وبموقع فيسبوك الشهير، مثلما ارتبطت باستفتاء البريكست البريطاني وانتخابات الرئاسة الأميركية الماضية، وانفتح بسببها تحقيقات عدة بالبلدين.

وتبدأ القصة من استئذان أكاديمي بجامعة كمبريدج، يدعي ألكسندر كوجان، موقع فيسبوك في تحميل تطبيق قال للموقع إنه لأغراض أكاديمية. وكان عبارة عن إحدى اختبارات الشخصية التي كثرت هذه الأيام في المواقع الإلكترونية والصحف والمجلات.

وقد قام أكثر من 270 ألف شخص بتحميل التطبيق على حسابهم الشخصي واستخدموه، وهو ما مكن باحث كمبريدج من الحصول على البيانات الشخصية لأولئك الأشخاص بالكامل فضلاً عن البيانات الشخصية لكل قائمة «أصدقائهم» دون موافقة أولئك «الأصدقاء». وبذلك صارت لدى الأكاديمي قاعدة بيانات مذهلة تتضمن البيانات الشخصية لأكثر من 50 مليون شخص.

لكن الأكاديمي بدلاً من أن يحذف قاعدة البيانات تلك فور إجراء بحثه، استدار وباعها لمؤسسة تدعي كمبريدج أنالتيكا، التي استخدمتها، بدورها، لعمل «بروفيل نفسي» لما يتراوح بين 30 مليوناً و50 مليون شخص، حسب الروايات الصحفية المتباينة.

والبروفيل النفسي يوفر القدرة على معرفة نقاط ضعف الأشخاص وآمالهم وأحلامهم بما يسهل عملية استهدافهم بالإعلانات التي يتم إعدادها خصيصاً لهم فيتسنى إقناعهم بأهداف الإعلان.

وقد تبين أن كمبريدج أنالتيكا استخدمت قاعدة البيانات تلك في استفتاء البريكست عبر استهداف أشخاص بعينهم من خلال إعلانات إلكترونية معدة خصيصاً لإقناعهم. أما في انتخابات الرئاسة الأميركية، فقد تبين أن مستشاري حملة ترامب الانتخابية وكبار مموليها كانت لهم صلات وثيقة بكمبردج أنالتيكا. فالملياردير الأميركي روبرت ميرسر ذي الصلة الوثيقة بستيف بانون، مدير حملة ترامب، هو أيضاً أحد كبار مؤسسي كمبردج أنالتيكا ومموليها مثلما كان من ممولي ترامب.

الأخطر من هذا وذاك، أن إحدى قنوات التلفزيون البريطاني أذاعت عبر حلقتين قام فيها أحد العاملين بالقناة بتقديم نفسه لمؤسسة كمبردج أنالتيكا باعتباره عميلاً جديداً يريد المساعدة بانتخابات بدولة أخرى. وفي التسجيلات لم يتفاخر فقط ألكسندر نيكس المدير التنفيذي للمؤسسة بالدور الذي لعبته في انتخاب ترامب وإنما وهو الأخطر أنه عرض على العميل المزعوم القيام برشوة وابتزاز سياسيين لصالحه.

وقد تم وقف نيكس عن العمل، ونفى البيت الأبيض ومسؤولو حملة ترامب أنهم استخدموا البيانات التي عرضتها عليهم المؤسسة. ورغم أن ما قاله نيكس عن حملة ترامب في تلك الحلقات قد يكون مبالغات بقصد الترويج للمؤسسة لدى عميل جديد إلا أن الدور الذي لعبته أنالتيكا في حملة ترامب معروف منذ فترة طويلة عبر تقارير صحفية نشرت حول العالم بعد تولي ترامب الرئاسة.

وسواء كانت تلك التقارير دقيقة أو اعتمدت على ترويج سابق لكمبردج أنالتيكا لنفسها فإن الأرجح أن تكشف التحقيقات الجارية الآن طبيعة ذلك الدور. غير أن الفضيحة الأخطر تظل من نصيب موقع فيسبوك نفسه الذي لم يضع قيوداً تذكر على استخدام البيانات الشخصية لعملائه، وهو ما تشمله أيضاً التحقيقات الجارية في بريطانيا والولايات المتحدة.

ففي بريطانيا، يجري مجلس العموم البريطاني تحقيقاً بخصوص تلك المؤسسة القائمة على أراضيها، وهو ما يحدث في خضم الأزمة الراهنة بين بريطانيا وروسيا، إذ يبدو أن البرلمان البريطاني يبحث أيضاً مدى قانونية دور الأكاديمي، ألكسندر كوجان، وهو بريطاني من أصل روسي، وما إذا كانت «كمبردج أنالتيكا» ذات علاقة بالروس.

كما طلب رئيس البرلمان الأوربي أن يمثل مؤسس فيسبوك مارك زاكربرج أمام البرلمان «ليؤكد بنفسه لخمسمئة مليون أوروبي أن بياناتهم الشخصية آمنة» أما في الولايات المتحدة،.

ففضلاً عن فتح اللجنة الفيدرالية للتجارة تحقيقاً في ممارسات فيسبوك فإن كلاً من لجنة القضاء بمجلس النواب ولجنة التجارة بمجلس الشيوخ فتحتا تحقيقاً في الأمر برمته.

بينما تشير بعض التقارير الصحفية إلى أنه قد يتولى المحقق الخاص روبرت مولر تحقيقاً في هذا الشأن لأن مؤسسة كمبريدج أنالتيكا استخدمت أيضاً جمعيات مناصرة لترامب كواجهة لها لتمرير دعاية انتخابية وهو ما قد يقع تحت طائلة قانون تمويل الحملات الانتخابية الذي يحظر أي دور للأجانب في العملية الانتخابية.

والحقيقة أن ما تسفر عنه تلك التحقيقات ليس أكثر أهمية من المخاطر الناجمة عن الممارسات التي جرت بحق مواطنين عاديين حول العالم. فاستخدام تكنولوجيا المعلومات لإنتاج ما صار يعرف «بالبروفيل النفسي» يقوم بتحويل البشر إلي مجرد كائنات لها نقاط ضعف لا بد من استغلالها لتحقيق مكاسب مالية لمؤسسات تبيع تلك المعلومات لمن يدفع دون حتى علم أصحابها، وهو الوجه اللا أخلاقي القبيح لاستخدامات تكنولوجيا المعلومات.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات