التجارة العادلة أم الأمن القومي

الخطوة التي اتخذها ترامب بفرض تعريفات جمركية على الألمنيوم والصلب المستورد تستحق النظر من زوايا عدة فهي لا تعكس فقط أسلوب ترامب في صنع القرار وإنما تمثل سابقة دولية قد تكون لها تأثيراتها الواسعة علي النظام التجاري الدولي.

فعلى الرغم من المعارضة القوية من قيادات حزبه واستقالة مستشاره للشؤون الاقتصادية احتجاجاً على القرار، أصر الرئيس الأميركي علي فرض تعريفة جمركية تصل إلى 25% على الصلب المستورد وأخرى تصل إلى 10% على الألمنيوم الذي تستورده بلاده. فبعدما أعلن ترامب مبدئياً أنه ينوي اتخاذ تلك الخطوة استقال جاري كون مستشار الرئيس للشؤون الاقتصادية احتجاجاً.

لكن الاستقالة لم تثن الرئيس عن قراره الذي أكد أنه لا ينوي تغييره. وقد تزامن ذلك مع جهود مكثفة بذلتها قيادات الحزب الجمهوري بالكونغرس لإثناء ترامب عن قراره. فقد اعتبرت تلك القيادات أن فرض تعريفات جمركية يمثل تحولاً راديكالياً في سياسات الحزب.

ومن شأنها أن تؤثر سلبياً على استعادته للأغلبية في الانتخابات التشريعية في نوفمبر القادم، خصوصاً إذا ما اتخذت الدول الأخرى قرارات انتقامية بفرض تعريفات مماثلة على الصادرات الأميركية خصوصاً الزراعية لأن الدوائر والولايات الزراعية من أهم معاقل الحزب الجمهوري.

وتخشى قيادات الحزب أيضاً من تأثير التعريفات التي فرضها ترامب على صناعة السيارات الأميركية والتي قد تفقد الآلاف من الوظائف التي يسعى ترامب للحفاظ عليها. وهو ما قد يعني خسارة شريحة من الطبقة العاملة البيضاء التي دعمت الحزب الجمهوري بانتخاب ترامب.

لكن ضغوط الجمهوريين بالكونغرس لم تلق آذاناً صاغية لدى الرئيس الذي قرر بموجبها استبعاد تلك القيادات تماماً من عملية الإعداد التي كانت تجري على قدم وساق داخل البيت الأبيض لإصدار الوثائق التي سيوقعها الرئيس. ومن هنا برزت واحدة من المفارقات الفريدة.

ففي وقت يسيطر فيه الحزب الجمهوري على الكونغرس والرئاسة معاً، وجدت قيادات الحزب في الكونغرس نفسها بلا معلومات من البيت الأبيض فراحت تبحث عنها لدى المراسلين الصحفيين لعل بعضها قد تسرب إليهم!

والحقيقة أن الكونغرس، صاحب الصلاحية الدستورية، في اتخاذ القرارات المتعلقة بالتجارة الخارجية، هو ذاته المسؤول عن الموقف الذي وجدت قياداته نفسها فيه. فطوال العقود الخمسة الأخيرة، تخلى الكونغرس عن تلك الصلاحية الدستورية طوعاً للرئيس ويحتاج لاستعادتها اليوم لأغلبية الثلثين. وهي أغلبية لا يملكها الجمهوريون.

والحقيقة أن قرار ترامب بفرض التعريفات الجمركية لا يمثل فقط تحولاً في سياسات حزبه وإنما يمثل أيضا تحولاً في السياسة الخارجية الأميركية. فطوال العقود الماضية، كانت الولايات المتحدة هي الزعيم الفعلي لتشييد النظام التجاري الدولي المبني على أفكار النيوليبرالية والتمسك بتحرير التجارة الدولية من كل القيود.

وهو النظام الذي تم وضع لمساته الأخيرة بقيام منظمة التجارة العالمية. وقد أعلنت الدول المتضررة من قرار ترامب فعلا أنها تبحث التقدم بشكوى للمنظمة الدولية ضد الولايات المتحدة. والحقيقة أن هناك سابقة معروفة في ذلك الإطار.

فالرئيس بوش الابن كان قد فرض تعريفة مماثلة على الصلب المستورد من الصين كان مقرراً أن تستمر لثلاث سنوات ولكن تم إلغاؤها بعد أن حكمت منظمة التجارة العالمية لصالح الصين. لكن قرار ترامب أكثر اتساعاً بكثير من قرار بوش ،والمتضررون منه أكثر من الصين هم حلفاء لأميركا وعلى رأسهم اليابان وألمانيا وكندا وكوريا الجنوبية.

غير أن الأخطر من هذا وذاك هو المنطق الذي أعلنته إدارة ترامب لاتخاذ القرار. فهي لم تنشئ قرارها على أساس عدم عدالة تلك المعاملات التجارية أي على أساس مفهوم «التجارة العادلة» الذي رفعته قوى كثيرة حول العالم، منها العمال بالمناسبة، عشية بناء الولايات المتحدة للنظام التجاري الدولي الحالي.

وإنما استخدمت مفهوم «الأمن القومي». فلأن صلاحية اتخاذ قرارات التجارة الخارجية من نصيب الكونغرس لا الرئيس في الدستور الأميركي.

فقد ضم القانون المعروف باسم «قانون التوسع التجاري» لعام 1962 بنداً يمنح الرئيس الأميركي صلاحية اتخاذ مثل تلك القرارات إذا ما كان يرتبط بتعرض الأمن القومي الأميركي للخطر. وهو نص ندر استخدامه منذ صدور القانون أصلا.

وباستخدام ذلك النص تحديداً، أرست الولايات المتحدة سابقة تفتح الباب لحروب تجارية مبنية على فكرة الأمن القومي لا عدالة التجارة خصوصا بسبب إعفاء ترامب لكل من المكسيك وكندا طالما تخوضان مفاوضات جديدة بشأن اتفاق نافتا للتجارة الحرة الذي أبرم في تسعينات القرن الماضي.

بعبارة أخرى، فإن الولايات المتحدة، باتخاذ مثل ذلك القرار انتقائياً، ثم تدشينه بناء على مفهوم الأمن القومي لا التجارة العادلة أرست سابقة في المعاملات التجارية الدولية. فهي قد تفتح الباب للدول الصغيرة المضارة من التجارة غير العادلة لبناء موقفها على أساس الأمن القومي بعد أن كان ذلك مستحيلا وفق منظمة التجارة العالمية.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات