تحوّلات المشهد الاقتصادي في دبي - البيان

تحوّلات المشهد الاقتصادي في دبي

لا شك بأن دبي تميزت عبر تاريخها الطويل كونها شاهداً على تحولات اقتصادية كبرى وعلى تاريخ تجاري متنوع ميزها عن غيرها من مدن وموانئ الخليج. هذا المشهد الاقتصادي هو الذي جعل من دبي حاضنة اقتصادية متميزة وميناء تصدير واستيراد مهم غذى المنطقة بأسرها لعقود طويلة، بدأت منذ بدايات القرن التاسع عشر.

وطوال تاريخها استفادت دبي من الفرص التجارية المتوفرة، كما تأقلمت مع الظروف الإقليمية والمستجدات الاقتصادية الحاصلة مطوعة تلك التحولات والمتغيرات لصالحها.

ففي بداية القرن العشرين كانت الظروف الإقليمية في منطقة الخليج بأسرها ظروفاً مؤثرة يشوبها رؤية ضبابية للمستقبل. فقد شهدت المنطقة والعالم غيوماً ثقيلة خيمت على المنطقة بفعل التطورات السياسية والاقتصادية الحاصلة، والتي رمت بظلالها على العالم بأسره مخلفة وراءها حروباً وكوارث بشرية واقتصادية عديدة. وفي ظل تلك الظروف كان لابد لدبي أن تتأقلم مع محيطها ومع التطورات الحاصلة وأن تعلن نفسها ميناء حراً للتجارة الإقليمية والعالمية وبرسوم بسيطة للغاية حتى تتمكن من جذب التجارة إليها.

كان لهذا القرار فعل السحر فسرعان ما وفدت إليها التجارة الإقليمية واتخذتها مقراً رئيساً لها وميناء للتصدير والاستيراد ساعدها في ذلك موقعها الجغرافي المتميز. ومع التجارة بدأ توافد رؤوس الأموال التي كانت بسيطة في البداية ولكنها سرعان ما بدأت تكبر وتجعل من ميناء دبي ميناء عالمياً يضج بالتجارة والحركة، وموئلاً مهماً لتوافد رؤوس الأموال.

كان السر وراء ازدهار دبي هو العقلية الاقتصادية الفذة وسرعة التحرك والتكيف مع المتغيرات الحاصلة. فسرعة التحرك واتخاذ القرار المناسب وفي الوقت المناسب هو السر في الحفاظ على مكاسب دبي وفي تمكينها من الحفاظ على مركزها المتميز كميناء إقليمي مهم بل وأهم ميناء إقليمي في ذلك الوقت. كانت السرعة في اتخاذ القرارات المصيرية ومناسبة تلك القرارات للحظة الراهنة هي السر وراء تفوق دبي على غيرها من المدن.

وخلال القرن العشرين استفادت دبي من هذه القدرة الفذة في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب في إنشاء مجموعة من المشاريع التنموية التي أثبتت على مر الأيام كفاءتها وملاءمتها ليس فقط للبيئة الاستثمارية في دبي ولكن لمنطقة الخليج والعالم. ولكن لتلك المشاريع الدور المهم في الحفاظ على حيوية دبي ومينائها.

ومع بدايات القرن الحادي والعشرين، أذهل تطور دبي العالم من حيث قدرتها على استيعاب التحولات الاقتصادية السريعة ومع تبنيها مشاريع كبرى وتخطيطها الكبير في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية الحاصلة وتطويعها لصالحها. سرعة التحرك تلك تركت انطباعاً بأن مشاريع دبي إنما هي مشاريع خدمية عالمية مدروسة بعناية، وهي تهدف إلى خدمة قطاعات بشرية كبيرة في داخل دبي وفي محيطها الإقليمي.

وقد استطاعت دبي بفضل التخطيط الجيد في خلق بيئة اقتصادية واستثمارية جاذبة استطاعت جذب رؤوس الأموال والاستثمارات الخارجية من خلال خلق بيئة واعدة خالية من التعقيد وقليلة الرسوم ومعتمدة على ديناميكية الحركة وأفضل الممارسات العالمية.

ومن المعروف عالمياً بأن كثرة القرارات والإجراءات الحكومية والرسوم تتسبب في إعاقة سرعة نمو الحركة الاقتصادية لأنها تتسبب في التضخم وفي ظهور معوقات أخرى تنعكس على الحركة الاقتصادية.

وبما أن دبي جزء من العالم الحديث وما يحدث في العالم ينعكس بشكل أو بآخر على دبي، والمتغيّرات الاقتصادية والأزمات العالمية كانت متوقعة. فالدراسات التي أصدرتها المنظمات المالية العالمية كانت تتوقع هذا التباطؤ في الاقتصاد العالمي في العام 2018 ولكنها تتوقع أيضاً استمرار النمو في الأعوام القادمة.

القرارات الحكومية الأخيرة بعدم زيادة الرسوم الحكومية ورسوم الخدمات لفترة الأعوام الثلاثة المقبلة جاءت خطوة متميزة وأعطت دفعة قوية للاقتصاد، وهي أيضاً رسالة مطمئنة للأعمال والاستثمارات التي تنتظر مثل تلك الرسالة لكي تضع خططها وتسوّق نفسها. فالبيئة الجاذبة التي استطاعت دبي خلقها عبر التاريخ والقرارات المناسبة التي اتخذتها في اللحظة المناسبة لهي كفيلة بتوفير الجو المناسب لازدهار وتطور دبي والحفاظ على ألقها في الفترة المقبلة.

فأنموذج دبي الاقتصادي حري أن يدرس في الجامعات كأنموذج مرن قابل على تطويع نفسه حسب المتغيرات الاقتصادية، وقابل على البقاء والديمومة ونموذج قابل للتطبيق في مناطق أخرى من العالم في حال توفر الإدارة الجيدة والإرادة والتصميم على النجاح.

جامعة الإمارات

طباعة Email
تعليقات

تعليقات