كأس العالم 2018

عبدالله صالح من كبار رواد العمل المصرفي

رحل عبدالله محمد صالح بعد معاناة طويلة مع السقام، وبلغني خبر موته وأنا في لندن، ومنعتني ظروفي الصحية أن أكون من بين المشيعين، رحمه الله رحمة واسعة.. وبرحيله وضع عبدالله صالح خاتمة للرواد الكبار من المصرفيين الخليجيين الذين برزوا في هذه المهنة المالية منذ مطلع النصف الثاني من القرن المنصرم، وكان عبدالله صالح يعطي مثلاً حسناً لشخصيات إماراتية وخليجية عصامية استطاعت بجهود فردية أن يصلوا إلى مرتبة عالية في العمل المصرفي والتجاري، بعصامية ودون خلفية من الدراسات الأكاديمية..

وقد ولد عبدالله صالح في مدينة الشارقة، من أبوين إماراتيين، في حوالي العام 1935، وكان أبوه يعمل في تجارة المواد الغذائية والبقالة في سوق الشارقة الرئيسي، وكان أبوه معروفاً لدى أقرانه من التجار في الشارقة ودبي، وكذلك لدى وجهاء القوم في كل من المدينتين المتجاورتين اللتين كانتا مركزين للتجارة بين مدن الإمارات، ومنذ صغره كان عبدالله شغوفاً بتلقف المعرفة من تلك التي أتاحت له أن يتلقفها..

وكانت الشارقة في بداية الخمسينات من القرن الماضي، تشهد حراكاً ثقافياً بقيام مدارس نظامية ووفادة مجموعات من المدرسين الذين جاؤوا من الكويت، ومن فلسطين ومن مصر ومن الأردن، وأتيحت للشارقيين أن يصبحوا من أوائل من يتلقون التعليم النظامي في الإمارات، وجعلت هذه الظاهرة أن يهتم المجتمع الشارقي بالمعارف العمومية، ويخرج من بينهم شخصيات تحاول أن تواكب الحراك الثقافي الذي جئنا على ذكره، وتتلقى منه الفائدة المعرفية، وكان بو صلاح عبدالله صالح، أحد هؤلاء ممن كان يحتك بالمدرسين والوافدين من المثقفين ومن أهل النباهة في كل من دبي والشارقة..

وكان الكثيرون من التجار وأهل اليسار في تلك الأيام، يبعثون بأبنائهم إلى الهند لاسيما مدينتي بومباي وكراتشي لتلقي شيئاً من العلوم واللغة الإنجليزية بصفة خاصة، بغية إدارة أعمالهم الخاصة، ولكن عبدالله صالح لم يتح له ذلك، وأصر على أن يتعلم ويثقف نفسه ذاتياً، وكان يذهب بصفة مستمرة مع أصدقاء آخرين إلى المحطة العسكرية الإنجليزية في الشارقة للالتقاء بالإنجليز والهنود العاملين في المحطة، بغية التحدث إليهم ومحاولة تلقي ما يفيده من مفردات لغوية من الإنجليزية.. وهذا أفاده فائدة كبيرة في تحسين لغته الإنجليزية..

وعندما تأسس البنك البريطاني لإيران والشرق الأوسط، وهذا كان اسمه في بدء أمره، في مدينة دبي عام 1946، استقطب هذا البنك عديداً من شباب الإمارات الذين كان لهم إلمام بالإنجليزية، وعمل هؤلاء في البنك كموظفين بجانب عدد من الإنجليز والهنود ممن امتهنوا العمل المصرفي، ولتأسيس هذا البنك والدور الذي لعبه قصة تطرق كاتب هذه السطور إلى جوانب منها وأرجو أن يتاح وقت للدخول في تفاصيلها مستقبلاً..

وفي عام 1951، التحق عبدالله صالح بوظيفة صغيرة في البنك الذي كان يشغل مبنى للشيخ حمد الفطيم، في رأس العبرة في ديرة، وكان عبدالله طموحاً بأن يتبوأ مراكز أعلى في وظيفة البنك، وتسنى له ذلك بعد عامين حيث أصبح أحد المساعدين للضابط الإداري في البنك.. وانتقل عبدالله في هذا العام، عام 1952، إلى دبي وأتيح له أن يتدرج في مناصب عدة في البنك.. وعندما تأسس فرع للبنك البريطاني في الشارقة في منتصف الخمسينات، نقل إليه عبدالله صالح كنائب للمدير في هذا الفرع حتى العام 1963، حيث استقال من منصبه في البنك البريطاني وأصبح نائباً للمدير العام لبنك جديد تأسس في دبي، هو بنك دبي الوطني، الذي شغل في البداية مكاتب في ميدان جمال عبدالناصر في ديرة، ولتأسيس هذا البنك قصص مشوقة تطرقت إلى طرف منها فيما سبق لي من كتابات، وأرجو أن اضمنها كتاباً عن ذكرياتي في المستقبل القريب إن شاء الله.. وفي نفس الميدان اتخذ عبدالله صالح سكناً قريباً من مكتبه وألقى في النهاية عصاه في دبي، المدينة التي كانت تدخل عصراً جديداً من التنمية العمرانية والتجارية والتنظيمية منذ أواخر الخمسينات من القرن العشرين..

وفي هذا البنك، بنك دبي الوطني، بدأ عبدالله صالح يرتقي سلم الوصول إلى عالم المصارف والبروز في عالم المال، بمعرفة وخبرة ودراية تلفت الأنظار لدى كبار المصرفيين في المنطقة العربية عامة وفي الخليج بصفة خاصة، وأصبح عبدالله صالح مثالاً جيداً للشخصية الإماراتية المتميزة في عالم المال والمصارف ويقف في صف كبار المصرفيين وخاصة أولئك الذين أعطتهم تجاربهم وتثقيفهم الذاتي زاداً كبيراً من المعارف والثقافة..

ولعبدالله صالح رحمه الله، مواقف سياسية واستشارية ومعارك فكرية في العمل المصرفي نجح في كثير منها وأخفق في بعضها مع عدد من ذوي النفوذ في الأجهزة التجارية والمصرفية،.. وشغل عبدالله صالح مستشاراً مالياً خاصاً للمغفور له الشيخ راشد بن سعيد في السبعينات من القرن الماضي، وكان الشيخ راشد يحبه ويجله، وكذلك صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حفظه الله، الذي كان يعتبر عبدالله صالح أحد الرجال الإماراتيين الذين ساهموا في تنمية العمل المصرفي والتجاري في الإمارات..

 

كاتب إماراتي

تعليقات

تعليقات