قمة الحكومات العالمية

ت + ت - الحجم الطبيعي

الدول في العالم الآن ثلاثة أنواع: أولها دول كبرى من حيث المساحة وعدد السكان والموارد الطبيعية، ولديها تاريخ مرموق ينفع في السياحة أو يخلق رصيداً من الاحترام لدى الأعداء والأصدقاء، فإذا أضافت إلى كل ذلك التعليم والتكنولوجيا والطموح فإنها تصير دولاً عظمى، أو نحو ذلك.

وثانيها دول صغرى في المساحة والسكان والموارد الطبيعية، وبلا تاريخ يخصها، وليس لديها لا علم ولا تكنولوجيا، وهذه تكون فقيرة الحال، وفي الأغلب فإنها تصير مطمعاً لقوى أكبر إقليمية ودولية.

وثالثها، هي دول صغرى من حيث الشكل ولكنها من حيث المضمون القائم على التعليم والعلم والتكنولوجيا والمهارة السياسية والاقتصادية، فإنها تعرف كيف تخلق لنفسها تاريخاً واحتراماً.

ولم تكن هناك صدفة أن تعبير «النمور الآسيوية» جرى إطلاقه على دول صغرى مثل سنغافورة وتايوان وهونغ كونغ عندما كانت وحدها بعيداً عن الصين. هذه الدول على الأغلب تضيف كثيراً إلى ثروتها بالعمل الشاق، والاشتراك العنيد في السباق الاقتصادي الدولي بحثاً عن التفوق حتى إزاء الدول الكبرى والعظمى في مجالات بعينها.

المثال العربي الوحيد في هذه المنظومة من الدول هو دولة الإمارات العربية المتحدة. في هذه الدولة لم يكن النفط هو ما خلق منها حقيقة دولية كبيرة، وإنما ما أضافه الإنسان إلى المساحة وعدد السكان نتيجة العلم والتكنولوجيا والسبق في التقارير العالمية للتنمية البشرية أو التنافسية أو السعادة. ورغم أن دولة الإمارات كان ممكناً لها أن تكون دولة نفطية وكفى، ولكن ذلك لم يكن ليعطيها من عناصر القوة والتأثير سوى المال.

ما حدث فعلاً هو أن إمارة أبوظبي دخلت بقوة في مجالات مثل مصادر الطاقة المتجددة وتحلية المياه؛ أما دبي فقد خلقت لنفسها مجموعة من المزايا النسبية مثل إدارة الموانئ وشركة طيرانها هي الأولى في العالم. وفي كلا الإمارتين فإن «العولمة» كانت إضافة لهما وليس خصماً منهما، وذلك عن طريق استثمارات عالمية من شركات التكنولوجيات الجديدة إلى أندية رياضة كرة القدم.

وأينما تولي الوجه الآن عندما تشاهد كبريات الأندية العالمية سوف تجد إعلانات طيران الإمارات أو الاتحاد فضلاً عن أسماء أبوظبي ودبي تعلن عن مناسبات لا تخلقها إلا دول كبيرة.

جزء من هذه الاستراتيجية أن تكون دولة الإمارات مندمجة مع المناظرات والحوارات التي تدور حول إدارة العالم وإدارة الدول في ظل تغيرات تكنولوجية ومعرفية عميقة.

ومنذ سنوات عدة بدأت الإمارات في عقد مؤتمر سنوي تحت اسم «قمة الحكومات العالمية»، حيث يدعى رؤساء وممثلو حكومات الدول ـ ١٢٠ في المؤتمر الأخير ـ للبحث في كيفية التعامل مع المتغيرات الجديدة في الدنيا، وفي الوقت نفسه تعرض الدول تجاربها في التعليم والابتكار والإبداع وحل المشكلات بصفة عامة.

ولكن أصحاب الخبرة هؤلاء لا يجتمعون وحدهم وإنما معهم كبار الفلاسفة في العالم، والباحثون في المستقبل، والعارفون إلى أين تسير الاختراعات الحديثة، والدارسون لخبرة التعامل مع الانتقالات الكبرى في الحياة الإنسانية من ثورات زراعية وأخرى صناعية متعددة التكنولوجيا وتأثيرها على حياة البشر.

الدول إذن ليست بالحجم وعدد السكان والمساحة، وإنما بمدى القدرة على استخدام كل ذلك، وهو ما لا يحدث ما لم يتم وضع قواعد البيانات الخاصة بها، وبنك الأفكار الذي يبحث في كيفية استخدام إمكانياتها.

ومصر دولة من هذا النوع الذي توافرت له من الإمكانيات والقدرات والثروة ما يجعلها تقع ضمن الصفوف الأولى من دول العالم، ولكن ذلك لم يحدث لأن ٩٣٪ من الأرض غير مستغلة، وقرابة ٣٠٪ من السكان من الأميين والفقراء.

التعرف على كل هذه الإمكانيات عن قرب يضع المعلومات الكافية التي تسمح لصانع القرار برسم السياسات والاستراتيجيات اللازمة للاستفادة من المزايا النسبية للبلاد.

ولا شك أن إصدار بطاقات الرقم القومي لكل المواطنين تقريباً قد جعل سياسات الدعم المصرية أكثر رشداً، وكذلك فإن إحكام الإحصاءات والمعلومات خلال السنوات الأخيرة قد أعطى فرصاً أكبر للتقدم والنمو. مثل هذه القدرات إذا ما أتيحت للمحافظات وجرت دراستها وفق خطط علمية فإن ذلك يعطيها قدرات أكبر على استخدام المزايا النسبية لديها.

فالقضية في الأول والآخر هي استغلال المزايا النسبية، وإذا كانت هذه قليلة أو تقتصر على مورد طبيعي واحد مثل النفط، فإن خلق هذه المزايا النسبية يصبح واجباً على الدولة.

ولحسن الحظ أن مصر لديها مزايا نسبية متنوعة، سواء كان ذلك في الصناعة أو الزراعة أو السياحة أو الموارد الطبيعية، ولكن كل ذلك لم يسمح لها في الماضي بالتقدم كثيراً إلى ما تحتاجه، وتستحقه.

لماذا لم يحدث ذلك خلال العقود السابقة يعود إلى أن التغني بالإمكانيات والأمجاد الماضية كان يشكل بديلاً لتعبئة الجهود لتحقيق انطلاقة ممكنة.

وربما يكون مفيداً لكل العاملين في مصر الحصول على ما نتج عن قمة دبي العالمية للحكومات، للاستفادة من خبرتها وما تقدمه من دروس، فمن يظن أن لدينا مشكلات ومعضلات فربما عليه أن يعرف أن ما مررنا به مرت به أمم من قبلنا، وفي القمة الأخيرة كانت الهند بعدد سكانها، والصين بسكانها ومساحتها، وبينهما يوجد قرابة ملياران وسبعمائة مليون من البشر، هما نجوم القمة ليس بالعدد أو المساحة وإنما بالأفكار المطبقة التي جعلت منهما دولاً عظمى في عالم اليوم.

طباعة Email