زيارة بنس لآسيا وغموض الموقف الأميركي

تضارب المواقف الأميركية بشأن كوريا الشمالية يشكل قلقاً متزايداً لليابان، فرغم نبرات التفاؤل التي انبعثت من الألعاب الأولمبية، إلا أن الموقف الياباني إزاء تلك الانفراجة يزداد تشدداً بسبب توتر العلاقة مع كوريا الجنوبية من ناحية والتضارب في مواقف رموز إدارة ترامب من ناحية أخرى.

فالألعاب الأولمبية التي استضافتها مدينة بيونغ تشانغ الكورية الجنوبية باتت بمثابة انفراجة رمزية في العلاقة بين الكوريتين، فقد شاركت كوريا الشمالية ورفعت الفرق الرياضية للكوريتين علماً موحداً. بل حضر الافتتاح وفد رسمي من كوريا الشمالية التي وجهت دعوة رسمية لرئيس كوريا الجنوبية لزيارتها.

وقد أثارت كل تلك التطورات قلق طوكيو، فعلى الساحة اليابانية، كانت حتى مسألة سفر رئيس الوزراء، شينزو آبي، من عدمه لحضور افتتاح الأولمبياد موضع جدل صاخب، فبعض أعضاء البرلمان، بمن فيهم أعضاء الحزب الحاكم، طالبوا رئيس الوزراء بالامتناع عن الذهاب لئلا يفهم حضوره باعتباره تنازلاً لحكومة كوريا الجنوبية التي أعادت أخيراً فتح ملف «نساء الترفيه»، بينما طالبت أصوات أخرى رئيس الوزراء بضرورة السفر على الأقل من أجل إجراء محادثات بشأن الأزمة الكورية، فليس سراً أن العلاقات بين كوريا الجنوبية واليابان تشهد توتراً منذ فترة على خلفية ما يعرف بملف «نساء الترفيه»، وهي قضية بالغة الحساسية في العلاقة بين البلدين تتعلق بالآلاف من النساء الكوريات اللائي كن يجبرن بالقوة على «الترفيه» عن الجنود اليابانيين أثناء الحرب العالمية الثانية، وقد عادت تلك القضية للصدارة بعدما أعاد رئيس كوريا الجنوبية الحالي، موون جيى إن، فتحها بمجرد توليه الحكم، مشيراً إلى أن الاتفاق بشأنها مع اليابان الذي تم إبرامه قبل وصوله الحكم ليس مرضياً له ولا لحزبه الحاكم، لكن الجدل الياباني انتهى بسفر شينزو آبي فعلاً لحضور الافتتاح والتقى بالرئيس موون، ونشرت الصحف أن الاجتماع لم يتطرق لملف نساء الترفيه وإنما اقتصر على تأكيد رئيس الوزراء الياباني في زيارته على أهمية التنسيق الثلاثي الذي يضم الولايات المتحدة إلى جانب البلدين من أجل زيادة الضغوط على كوريا الشمالية لتتخلى عن برنامجها النووي والصاروخي.

أما الدعوة التي وجهتها كوريا الشمالية لرئيس كوريا الجنوبية، فقد وجه لها مسؤول بالخارجية اليابانية ضربة استباقية بقوله إنه «ليس من الممكن تصور أن يزور مون كوريا الشمالية بينما لم تظهر بيونغ يانغ أياً مما يشير لخطوات محددة على طريق نزع سلاحها النووي»، إضافة لكل ذلك، فقد برز توتر جديد بين كوريا الجنوبية واليابان عشية الأولمبياد لسببين أولهما أن اليابان لم تشعر بالارتياح إزاء إقناع الرئيس موون للإدارة الأميركية بتأجيل التدريبات العسكرية المشتركة بين كوريا الجنويبة والولايات المتحدة والتي كان موعدها السنوي سيحل أثناء الدورة الأولمبية، أما السبب الثاني للتوتر فكان العلم الموحد الذي رفعه فريقا الكوريتين النسائي للهوكي والذي كان عبارة عن خريطة الكوريتين، فقد قدمت اليابان احتجاجاً رسمياً على ذلك العلم لأنه ضم جزيرة تاكاشامي المتنازع عليها بين اليابان وكوريا الجنوبية والواقعة في بحر اليابان.

وقد أضاف للقلق الياباني التضارب المستمر في الموقف الأميركي، فقبل وصوله إلى بيونغ تشانغ كان نائب الرئيس الأميركي قد وصل إلى طوكيو والتقى برئيس الوزراء الياباني واتفق الجانبان على ضرورة تشديد العقوبات على كوريا الشمالية، وقتها خرج رئيس الوزراء الياباني ليؤكد أن الولايات المتحدة واليابان تتفقان بشأن كوريا الشمالية بنسبة «مئة بالمئة»، لكن بعد أقل من يومين من لقاء بنس وآبي، وما إن وصل بنس إلى كوريا الجنوبية حتى قال خلال لقاء صحافي مع الواشنطن بوست أن الولايات المتحدة على استعداد لإجراء محادثات مع كوريا الشمالية، وبدا مما نقل عن بنس أن تلك المحادثات قد تبدأ متى أرادت كوريا الشمالية ذلك ودون التزامها بالشرط الذي طالما أصرت عليه واشنطن، أي تخلي بيونغ يانغ أولاً عن برنامجيها النووي والصاروخي، وقد أثارت تلك التصريحات قلق اليابان، التي اتصل رئيس وزرائها هاتفياً بالرئيس ترامب ليصرح بعد الاتصال بأن البلدين «سيستمران في الضغط على بيونغ يانغ»، وسرعان ما تم عقد لقاء جديد بين نائب الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الياباني، تم الإعداد له على عجل، بينما الزعيمان لا يزالان في كوريا الجنوبية، وهو اللقاء الذي صرح بعده مسؤول بالحكومة اليابانية لصحف بلاده بأنه «ستكون هناك حاجة لأن تعمل اليابان والولايات المتحدة معاً بشكل وثيق من أجل تذكير كوريا الجنوبية بأنه لا ينبغي لها أن تقترب أكثر من ذلك من كوريا الشمالية»، بينما وقد صدر عن بنس تصريح يمثل تراجعاً عما كان قد قاله، حيث أكد أن هناك «فارقاً بين المحادثات والمفاوضات».

ورغم احتواء تداعيات ما قاله بنس، إلا أن ما جرى يظل مصدر قلق لليابان ليس في ذاته وإنما لأنه يمثل حلقة في سلسلة طويلة من المواقف المتضاربة من جانب إدارة ترامب بخصوص الأزمة الكورية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات