إعمار العراق أصعب من الحرب على داعش

لم يكن ملف الحرب على داعش في العراق بيد حكومته بل بحوزة التحالف الدولي الذي قادته وتقوده الولايات المتحدة، ويبدو أن ملف إعادة الإعمار، هو الآخر، لن يكون تماماً بحوزة الحكومة العراقية بل بحوزة الدول أو الهيئات أو الشركات التي وعدت بالإسهام بهذا الملف، وهو ما أفصح عنه اللقاء الذي عقد في الكويت تحت شعار إعادة إعمار العراق بمشاركة عدد كبير من الدول والشركات العالمية.

العراق لا يزال في خطواته الأولى نحو طي صفحة الحروب والاستقرار السياسي واستعادة دوره الإقليمي وهو في وضع اقتصادي لا يؤهّله لترسيخ الاستقرار ومواجهة حجم الخراب الذي لحق به جراء السياسات التي انتهجت فيه منذ مطلع ثمانينات القرن المنصرم وما تركته الحروب العبثية التي خاضها وما خلفته فترة الحصار الذي فرض عليه والتي زادتها السياسات التي اتبعت بعد سقوط النظام السابق وما صاحبها من تدخلات إقليمية، وأخيراً ما تركته الحرب على تنظيم داعش.

لم يقتصر الدمار الذي لحق بالعراق على بناه التحتية التي شملت المؤسسات التربوية والصحية وشبكة الطرق والجسور وشبكات المياه والصرف الصحي ومحطات الطاقة الكهربائية وشبكات توزيعها والصناعات النفطية والقطاع الزراعي وقطاع النقل، وما ترتب على ذلك من انتشار واسع للبطالة والأمية وتراجع كبير في مستوى المعيشة ومستوى الخدمات، وتداعيات سلبية في منظومة القيم المجتمعية بل تجاوز ذلك إلى البنى الفوقية التي تتعلق بإدارة موارد البلد وشؤونه المختلفة، وهي مؤسسات الدولة التي تفككت وتفشى فيها الفساد وتراجعت قدراتها الحقيقية، بعد أن فقدت الكثير من الكوادر المؤهلة لقيادتها بسبب التصفيات الجسدية والهجرة الواسعة على مدى العقود الثلاثة المنصرمة للكفاءات في مختلف المجالات.

اختتم في الرابع عشر من فبراير الجاري في الكويت مؤتمر المانحين لإعادة إعمار العراق بمشاركة عربية ودولية واسعة، إلا أنه على الرغم من العدد الكبير من المشاركين دولاً ومنظمات وهيئات وشركات وعلى الرغم من أن الاستثمار في العراق يعتبر فرصة واعدة لم يكن الحماس لذلك واعداً، فالنتائج كانت دون الطموح ودون التوقعات على الرغم من أن العراق قد تحمل لوحده تقريباً أعباء حرب قاسية ضد الإرهاب لم يكن المستهدف الوحيد فيها.

تضاربت التقديرات حول مقدار المبالغ اللازمة لإعادة الإعمار في المناطق المتضررة بالحرب إلا أن الرقم الأكثر واقعية الذي قدرته جهات دولية يقرب من ثمانية وثمانين مليار دولار إلا أن ما حصده العراق وعوداً بتقديم ثلاثين مليار دولار فقط معظمها على هيئة قروض واستثمارات وليست كلها منحاً.

والحقيقة أن أحد أسباب ذلك هو عدم الاستقرار الذي تشهده المنطقة والاستحقاقات المتوقعة لملفات إعمار أخرى ستفتح لاحقاً في بلدان لا تزال تشهد حروباً، إضافة إلى أن دولاً عدة لم يعد وضعها الاقتصادي يسمح لها برصد مبالغ كبيرة كمنح أو استثمارات.

قضيتان مهمتان تقفان حائلاً أمام إطلاق يد الحكومة العراقية للتصرف بهذه المبالغ التي من المتوقع ألا تدخل الخزينة العراقية بل تدار من قبل المانحين أو المستثمرين، أولهما الفساد الذي لم تقدم حكومة الدكتور العبادي ما يكفي لإزالة مخاوف المساهمين بإعادة إعمار العراق ويقنعها بالاطمئنان على أموالها، وثانيهما هشاشة الوضع الأمني وضعف السيطرة الحكومية على ملفه مما قد يدفع المانحين إلى الاعتماد على شركات أمنية خاصة، محلية أو أجنبية، تُحسم تكاليف مهامها من المبالغ المقدمة.

إعادة إعمار العراق مهمة غير سهلة، ففيها الكثير من المطبّات، محلية أو إقليمية، فتنفيذها لن يخلو من أبعاد سياسية إذ ستواجه حكومة العبادي أو التي ستخلفها بعد الانتخابات في مايو المقبل الكثير من المصاعب أو الإحراجات بشأن أولوية هذه المدينة أو هذا المشروع على غيره خاصة أن المبالغ التي وُعد بتقديمها أو التي ستقدم فعلاً غير كافية لتلبية جميع الحاجات إضافة إلى أن تنفيذها زماناً ومكاناً سيخضع لرؤية المانح أو المستثمر الذي سيكون له شروطه في التعاقد التي قد تصطدم برفض أو تحفّظ الجانب العراقي.

وليس من المستبعد أن تتراجع بعض الحكومات أو الشركات عن وعودها إذا ما لمست ظروفاً غير مناسبة إدارية أو أمنية أو سياسية، فقد تعثرت مرات عدة في الماضي خطط إعادة الإعمار لهذا السبب أو ذاك في بلدان عدة مثل أفغانستان والصومال وغزة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات