الأزمة الخليجية.. المخاض العسير

دخلت الأزمة الخليجية شهرها التاسع، من دون أدني بوادر على قبول قطر بحل لحلحلة الأزمة وإيجاد مخارج، سواء على الصعد السياسية أو الإنسانية، للعديد من الذين تضرروا من جراء السياسات القطرية الرعناء. هذا التعنّت القطري، غريب حتى بالنسبة للمراقبين المحايدين، الذين يعرفون قطر جيداً، ويعرفون دول الخليج المقاطعة هي الأخرى بصورة جيدة.

الكثيرون كانوا يتصورون أن الأزمة الخليجية ما هي إلا سحابة عابرة، ولن تدوم طويلاً، ولن يسهل على قطر ترك الفضاء الذي ترعرعت فيه من أجل مصالح وقتية ضيقة، أو هيبة وهمية منتظرة.

ولكن خيبة الأمل التي أصابت دول الخليج من التصرفات القطرية، واضح أنها أصابت الجميع، بمن فيهم أصدقاء قطر المقربين، والذين يودون أن تنتهي هذه الأزمة في أسرع وقت، لأنها ليست في المصلحة القطرية أولاً، وليست في مصالحهم هم من ناحية ثانية.

الأزمة القطرية دخلت شهرها التاسع، والمخاض المنتظر سوف يكون مخاضاً عسيراً، ويدعو الكثيرون ربهم بألا تتطور الأوضاع إلى أسوأ من ذلك.

فمنذ نشوء هذه الأزمة، وهناك استياء رسمي وشعبي في الخليج على الصعد كافة.

فلم تتعود قيادات دول الخليج أن تشذ إحدى الدول في المجلس إلى هذه الدرجة، وأن يسود في المنطقة التي عرفت بتكاتفها وتحفظها، هذا الجو المقيت من الكراهية المعلنة، والحملات الإعلامية الشرسة التي تكال من الدوحة ضد دول المقاطعة.

كما لم تتعود شعوب الخليج المترابطة قبلياً وعرقياً، جو الكراهية والتشتت هذا من جهة قطر، وينتظرون اليوم التي تعود فيها العلاقات إلى سابق عهدها. هذا الأمل يدعونا إلى التفكير في كيفية إيجاد مخارج إنسانية، إن لم تكن سياسية، لحماية المجتمع العربي الخليجي من دفع ثمن هفوة التهور القطري، وحتى لا يدفع المسالم ثمن جريمة الغادر.

إنها المرة الأولى التي تضطرب فيها العلاقات مع دولة خليجية إلى هذه الدرجة، نتيجة سياساتها التي ذهبت بعيداً في دعم وتمويل الإرهاب وتنظيماته، ودعم المؤامرات في الدول العربية، واحتضان إرهابيين وعملاء ضد المصالح العربية عموماً، والخليجية خاصة، وإطلاق أبواق الإعلام المشبوهة ضد جيرانها العرب، ولم تلجأ دول المقاطعة الأربع المكافحة للإرهاب إلى الإجراءات التي اتخذتها تجاه قطر، إلا بعد أن فقدت كل سبل التواصل مع النظام القطري، من أجل إيجاد حلول لهذا التهور وانعكاساته على الأمن القومي لمنطقة الخليج ككل.

مراهقة قطر السياسية هذه، رمت بظلال ثقيلة، ليست فقط على العلاقات بينها وبين دول الخليج، وحتى على الأوضاع الدولية. فالخليج ليس بالبحيرة المغلقة التي يمكنه أن يعيش منفرداً، بل هو بحيرة دولية مؤثرة في مصالح دول العالم بأسره.

فما يحدث في الخليج، يؤثر في معظم دول العالم، التي هي في حاجة إلى نفط وغاز وتجارة الخليج. وهذه الحقائق ليست وليدة اليوم فقط، بل هي حقائق معروفة للمؤرخين منذ عهد الإسكندر المقدوني، أي ما قبل ميلاد المسيح عليه السلام.

ولمعرفتها بهذه الحقائق، سارعت بعض الدول الأجنبية والإقليمية للتدخل في الخليج، وإحضار قواتها ما إن سمحت لها الظروف السياسية. فتدخل الدول الأجنبية في مياه الخليج لجني مصالح له سوابق على مدى التاريخ، وفقط العالم ببواطن الأمور مدرك بأن هذه الدول العظمى أو الإقليمية، إنما تتهيأ الفرص للتدخل لتحقيق مصالح بلدانها متى ما حانت الفرصة.

إن فترة الشهور التسعة الماضية، كانت فترة كافية لتختبر كل من دول الخليج مدى صبرها على التهور القطري، وهي أيضاً كافية لقطر، لتختبر أيضاً مدى صرامة دول الخليج الرافضة للسياسيات القطرية المتهورة.

فكلا الطرفين يملك الآن رؤية واضحة لماهية الأمور ومسارها المستقبلي. فهل تستمع قطر لصوت العقل والحكمة، وتعود إلى بيتها العربي الخليجي؟، أم تستمر في مناوراتها الخاسرة ومراهقتها السياسية التي تهدد أمن الخليج بكامله، وتستمر في معاداة جوارها الخليجي، وتجيّر المقاطعة الخليجية لمراهناتها الإعلامية الصاخبة؟

الجميع يأمل أن تنتهي فترة المخاض العسير هذه، وترجع قطر عن غيّها ومحاولتها الدؤوبة لتدويل الخلاف، وتشويه صورة دول الخليج، وتصويرها بأنها هي الرافضة للحلول السلمية والتسوية الدولية، بينما في حقيقة الأمر، يأتي التعنت القطري، ليكون عقبة في سبيل التوصل إلى حل لهذه الأزمة، وإيجاد مخرج إنساني يحافظ على مصالح الشعب القطري، ويحمي أمن منطقة الخليج.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات