الفجوة بين الخطاب والفعل في دافوس

صعود التيارات الشعبوية اليمينية في أوروبا وأميركا مسؤول بدرجة كبيرة عن التغير الذي طرأ على قاموس المفردات الذي اعتدنا سماعه كل عام في دافوس. فالمفردات التي استخدمتها بعض الجلسات هذا العام كانت جديدة تماماً على ذلك المنتدى.

ورغم أن استخدام تلك المفردات لا يعني بالضرورة تحولات كبرى في صنع القرار، إلا أن إطلاقها قد يعني أنها صارت تفرض نفسها فرضاً على واقع الاقتصاد العالمي بحيث صار يستحيل تجاهلها حتى من جانب النخبة.

فقد ناقشت بعض الجلسات كيفية «إصلاح العولمة» بينما تساءلت أخرى عن «إنقاذ الرأسمالية من نفسها»، ومن نقاشات حول دقة «الناتج المحلي الإجمالي» كمؤشر لعافية اقتصاد الدولة إلى مناقشة اتساع الفجوة بين الثراء والفقر في دول العالم، كانت اللغة المستخدمة غريبة عما اعتدناه في «منتدى الاقتصاد العالمي» الذي ينعقد سنوياً في دافوس.

فالمعروف عن المنتدى أنه ملتقى الذين أرسوا دعائم العولمة كما عرفناها، من سياسيين واقتصاديين دافعوا عن الحدود المفتوحة على مصراعيها لحركة المال والبضائع والخدمات، ومعهم الذين حققوا الأرباح الخيالية من وراء صنع ذلك النوع تحديداً من العولمة، أي الشركات العملاقة وأصحاب المال والأعمال والتجارة.

وقد كان يفترض أن يكون اجتماع هذا العام مناسبة للاحتفاء، بعدما ما أعلن صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد العالمي صار يتعافى. لكن تطورات عالمية أخرى فرضت نفسها فرضاً. فالحديث عن مدى دقة معدل النمو كمؤشر والناتج المحلي الإجمالي كمعيار لعافية اقتصاد الدولة ليس جديداً بالمرة بين الأكاديميين ولكنه جديد في دافوس.

فهناك عشرات الكتب الأكاديمية التي صدرت منذ سبعينات القرن العشرين والتي تشير مثلاً إلى أن معدل النمو مقياس خادع لأنه لا يعكس بحال كيفية توزيع ذلك النمو على قطاعات وشرائح المجتمع المختلفة، ولا يعبر أيضاً عن التنمية البشرية التي هي جوهر أي عملية تنموية حقيقية. ثم أن الناتج المحلي الإجمالي والذي هو عبارة عن إجمالي المنتج من بضائع وخدمات داخل الدولة لا يعكس الجوانب المتعلقة بالبيئة والموارد البشرية.

لكن ما فرض تلك المفردات على دافوس كان صعود التيارات الشعبوية اليمينية التي استفادت من سلبيات العولمة النيوليبرالية فصار جمهورها هو الجمهور الذي صار يعاني بسبب سياساتها.

فالعولمة الاقتصادية التي روجت لفتح الأبواب على مصراعيها أمام حركة البضائع والخدمات والأموال دون أن تقترن تلك الحرية بأية معايير للعدالة أدت عبر عقود لهروب الشركات العملاقة إلى حيث توجد العمالة الرخيصة وحيث توجد أيضاً أقل المعايير الخاصة بسلامة البيئة.

ومثل ذلك النوع من العولمة الاقتصادية كان معناه أن يخسر العمال في كل مكان. فهم خاسرون في الشمال الغني، حيث هناك حد أدنى للأجور يعني هروب الساعين لتعظيم الربح، وخاسرون في الجنوب الفقير أيضاً، حيث تعمل العمالة الرخيصة لساعات طويلة ومع ذلك تظل تفتقر للأجر العادل الذي يساعدها على إقامة حياة كريمة.

وقد أدت تلك التحولات في الاقتصاد العالمي إلى تفاقم الفجوة بين الثراء والفقر في العالم. فقد نشرت مؤسسة أوكسفام المعنية بمعدلات الفقر حول العالم تقريراً يشير إلى أن 82% من الثروة التي تحققت بالعالم العام الماضي ذهبت كلها لأيدي 1% فقط من الأكثر ثراء في العالم.

وبينما يخلق ذلك التوزيع غير العادل للثروة العالمية ثراء فاحشاً لدى حفنة قليلة من الأفراد في الشمال، فإنه يرفع من مستوى الفقر في الشمال والجنوب معاً. ومن الجدير بالذكر أن أغلب الدراسات أشارت إلى أن أكثر الذين يعانون حول العالم من النساء.

أكثر من ذلك، فإن التطور التكنولوجي، الذي أدى للجوء بشكل متزايد للميكنة على حساب العمالة، ساعد على تفاقم مشكلة الطبقة العاملة في الشمال الغني والتي صارت نهباً للشعبوية اليمينية التي يقوم جوهر فكرها على العداء للآخر سواء كان في صورة المهاجرين باعتبارهم تهديداً للوظائف أو في صورة البلدان الأخرى التي «تستغل» بلادهم فتسحب منهم الوظائف.

وصعود تيار اليمين الشعبوي، بما قد يعنيه من تطرف في دول الشمال هو الذي أدى لاهتمام دافوس بمناقشة تلك القضايا. لكن التحول الذي طرأ على المفردات المستخدمة في دافوس لم يكن معناه بالضرورة أن يحدث تحول فيما يتعلق بالسياسات الواجب اتباعها.

فقد كان لافتاً أن التحول في الخطاب السياسي لم يصاحبه بحث جدي عن طبيعة الحلول الواجب اتباعها. فرئيس الدولة المضيفة، سويسرا، قال إن تحرير السوق «ليس هو الحل» في كل الظروف، لكن مثل تلك الكلمات المهمة لم تقترن لدى المجتمعين بالبحث عن حلول بديلة. ورئيسة الصندوق الدولي حذرت من استمرار تفاقم الفجوة بين الغنى والفقر دون أن يعني ذلك البحث عن كيفية حل تلك المعضلة.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات