فن الحوار

يعتقد الكثيرون أن فن الحوار يقوم على تبادل الكلمات والمعلومات، دون النظر في جوهر العلاقات الإنسانية، وفي تشاطر الأفكار والعواطف والقصص، إذ إننا نجد لكل لغة نهجها وطقوسها في الحوار، بدءاً من إلقاء التحية وانتهاءً بتحية الوداع، وكل اللغات تكتسب أسلوبها عموماً نتيجة إرثها الثقافي الذي يتشكل عبر آلاف السنين، والذي يحتضن إرثاً عظيماً من التقاليد المتشابكة.

عندما جئت لدبي قبل فترة زمنية طويلة، بدأت أقترب من لغة أهل الإمارات شيئاً فشيئاً، وبدأت أدرك مكامن التباين بين تقاليد الحوار في الإمارات وفي كامبريدج، حيث نشأت وترعرعت.

فلا بد أن يعقب تحية صديق أو زميل، «بالسلام عليكم»، الاستفسار عن صحة جميع أفراد الأسرة المقربين ضمن ترتيب معين «يبدأ من الأقرب»، وهو ما يختلف عن التحية الإنجليزية النمطية التي تكون في الغالب قصيرة، كـ«صباح الخير» أو «مساء الخير».

وقد قادني فهمي لهذه الطريقة المهذبة لبدء المحادثة، لتغير إيجابي في خطابي... ولا يقتصر الترحيب والسؤال عن أحوال الأسرة والمقربين على اللقاءات الشخصية، وإنما يسري على المكالمات الهاتفية، فقد كانت الهواتف أواخر الستينيات غير متوفرة بكثرة، وكانت المكالمات الهاتفية تتيح فرصة كبيرة للتواصل، وكان لا بد من أن يبرع المرء في استخدام العبارات الاستهلالية والاستفسار عن أحوال الأسرة والاطمئنان عليهم، وذلك قبل الشروع في بيان السبب الحقيقي للمكالمة الهاتفية.

وفي هذه المدينة الرائعة «دبي» تعرفت على الحفاوة والتأهيل والكرم والتهذيب الجم في الحوار والحديث؛ التهذيب الذي ينم عن رغبة صادقة في التواصل الإنساني الأصيل، فقد كنت في البداية أبدي إعجابي في الأشياء بكل عفوية تلقائية، وربما في إطار أساليب التعبير الإنجليزية الكلاسيكية، فكلما كنت أبدي إعجابي بزخرفة، أو قطعة من المجوهرات، أو أي قطعة من الملابس، إلخ. كان ينتهي ذلك الشيء في يدي، هديةً بكل محبة ورحابة صدر، وقد كان ذك يسبب لي إحراجاً كبيراً، ففي إنجلترا غالباً ما يقابل التعبير عن الإعجاب بشيء على غرار «أوه، هذا شيء قديم!».

كنت لحسن الحظ ما زلت شابة تواقة للتعلم والمعرفة، مفتونة بتتبع سمات الثقافات وملاحظة التباين فيما بينها، وقد بت منذ وصولي لدبي أتحرى سمات الخطاب ومعالم المعايير الثقافية في حديث الإماراتيين، وبعد أن ألفت العربية وأصبح لي فيها لسان صدق، بدأت تتبدى لي خصائص الحوار، ووضعت يدي على بعض أسراره؛ ففي كثير من الحالات، تتكئ العربية على صيغ بارعة غاية في الأناقة والتهذيب، وهي بذلك تتفوق على لساني «الإنجليزي!».

فاللسان العربي يوظف ظلال المعاني والفروق الدقيقة ببراعة فائقة، ويعتمد على استخدام الصمت بين الكلام ولغة الجسد ووسائل التعبير غير اللفظية بأساليب مبدعة خلاقة.

ولمست أن الفكاهة في اللغة العربية لا تُسلم أسرارها للمترجمين من اللغات الأخرى، فالإصغاء للترجمة الإنجليزية لحوار أو عبارة يضحك لها من حولي، لم يكن يسعفني في مشاركتهم ضحكهم، فالترجمة لم تكن تنجح في إيصال حس الفكاهة العربي! ولكي أشارك من حولي فرحهم، كان عليّ أن أنتظر حتى يزول حاجز اللغة بيني وبينهم ولا أعود أحتاج لترجمة بسماتهم.

في أيامنا هذه، يقضي معظم الناس قدراً كبيراً من الوقت على الأجهزة الإلكترونية على اختلاف أشكالها وأحجامها، وربما يتحاور الزميل مع زميله في نفس المكتب عبر البريد الإلكتروني، أو من خلال إرسال رسالة نصية لشخص يجلس قرابته! مما يجعلني أتساءل كيف يؤثر هذا على قدرتنا على التواصل، وكيف نضمن أن يؤدي الاتصال دوره الإنساني الخلاق.

وأرى أنه يجدر بنا أن نخصص وقتاً يلتقي فيه جميع أفراد العائلة، ويتحاورون دون استخدام أجهزة الهاتف المحمول، ربما يكون ذلك في فترة تناول الوجبات، حيث يجتمع أفراد العائلة معاً، سيساعدنا ذلك كثيراً على التواصل الإنساني الإيجابي، إذ يكون الكل حاضراً ذهنياً، ويشحذ ذلك التواصل مهارات المحادثة لدى كل فرد من أفراد العائلة، ويؤدي إلى إعادة اكتشاف أروع ما في الإنسانية من سمات التلاقي والتحاور وتبادل الأفكار.

وحتى نجعل من القراءة فعلاً اجتماعياً تشاركياً، يمكننا أن نقرأ لأطفالنا، ونؤدي لهم بأساليب مشوقة، ونتواصل معهم بكل متعة، مما يساعدهم على إثراء مفرداتهم وعلى التحدث بشكل سليم وطرح موضوعات عظيمة للمناقشة.

وإن كنتم تشعرون أن خطابكم فَقَدَ بعضاً من ألقه، أو بأنكم تفتقدون المناقشات الحية البناءة التي تحيلنا لإرث الماضي العظيم، وتحفزنا على التفكير في المستقبل الواعد، وعلى طرح أفكارنا حول الموضوعات التي تهمنا مثل السعادة، والقصص الشعبية القديمة، أو الأكل الصحي؛ يمكنكم أن تشاركوا في حوارات وجلسات وفعاليات مهرجان طيران الإمارات للآداب في دورته العاشرة التي تقام في الفترة من 1-10 مارس في انتركونتيننتال، فستيفال سيتي دبي، وتستضيف أكثر من 180 كاتباً ومفكراً ومبدعاً ومحاضراً شهيراً من جميع أنحاء العالم.

يوفر لكم المهرجان حوارات ثقافية وأدبية حية حول باقة من الموضوعات الهامة، مع ترجمة فورية إلى العربية والإنجليزية، كي لا تغدو اللغة حاجزاً يحول بينكم وبين التعبير عما يدور في خلدكم.

أدعوكم للانضمام لأكبر تظاهرة ثقافية أدبية في العالم العربي تحتفي بالكلمة بكل تشكلاتها!

*مديرة مهرجان طيران الإمارات للآداب والرئيس التنفيذي لمؤسسة الإمارات للآداب

. www.emirateslitfest.com

تعليقات

تعليقات