ترامب والفضائح السياسية

أصبحت الفضائح السياسية في الولايات المتحدة، جزءاً من المشهد العام. ويكاد لا تخلو إدارة من بعض الفضائح السياسية أو الشخصية. ولعل أشهر هذه الفضائح، ما أطاح بالرئيس ريتشارد نيكسون في السبعينيات من القرن الماضي. حيث اتهم نيكسون حينها بالتجسس على خصومه من الديمقراطيين، في فضيحة ساءت صيتها وعرفت بـ «ووترجيت».

وقد كادت فضيحة لوينسكي أن تودي بإدارة الرئيس بيل كلينتون في نهاية القرن العشرين. وكذلك الحال مع سابقتها، فيما عرف بإيران جيت، والتي أسفرت عن تحقيقات الكونغرس حول تورط إدارة الرئيس رونالد ريغان في قضايا توجب إقالة الرئيس. ورغم التحقيقات الموسعة ضد ريغان وكلينتون، إلا أنهما نفذا بجلديهما في نهاية المطاف، وأكملا مدة رئاستهما.

والأمر بالنسبة للرئيس دونالد ترامب، مختلف اختلافاً كبيراً. فقبل أن يصل الرئيس ترامب إلى المكتب البيضاوي، تمرغ بفضائح عديدة، يصعب على أي مرشح أن ينتخب بعدها كعمدة لقرية، ناهيك عن رئيس للجمهورية. وقد تعددت فضائح ترامب، من فضائح جنسية إلى فضائح مالية إلى تواطؤ مع دولة أجنبية معادية، إلى زلات لسان يندى لها الجبين.

ومع ذلك، ورغم كل هذه الفضائح، نجح ترامب بالفوز بالرئاسة قبل عام ونيف. ومن أول وهلة، خرج العديد من الناس في تظاهرة تندد بانتخاب ترامب رئيساً للبلاد، وتصدح بأن ترامب ليس رئيساً لها. وخرجت النسوة محتجات على رئيس يفاخر بتحرشه الجنسي عليهن، ولا يتورع من القبض عليهن، كما جاء في تسجيل مسرب.

وقد أصبح سلوك الرئيس ترامب وتصريحاته وتغريداته، محل تندر ومادة صحافية تروي غليل من يتتبع السياسة أو الفكاهة، كما حصل مؤخراً في وصف أبناء أميركا اللاتينية وأفريقيا بالحثالة.

وقد عمد الرئيس الجديد على استعداء كثير من الصحافيين ومحطات الأخبار، واتهمهم بتزوير الأخبار وبث الأكاذيب حوله وعن إدارته. واتهم الصحافة بأنها تنتقم، لأنهم أرادوا أن تفوز خصمه هيلاري كلينتون، والتي هزمها في انتخابات 2016، رغم تحيز الإعلام لصالحها.

وقد انبرى الصحافي مايكل وولف في كتابه الجديد «النار والغضب»، لتوثيق مثالب الرئيس ترامب المتعددة. ويدعي وولف بأنه قارب الموضوع بكل حيادية. وقد أمضى الكاتب، حسب ما يقول، ما يقارب السبعة أشهر في البيت الأبيض، وأجرى مئتي مقابلة للتحقيق في الروايات التي يوردها في الكتاب.

وقد هدد الرئيس عبر محاميه، الكاتب فيما إذا لم يتوقف عن نشر الكتاب، فإنه سيقاضيه بتهمة التشهير. ولكن وولف أصر إلا أن ينشر الكتاب قبل موعده، في تحدٍ واضح للرئيس ترامب. ويتضمن الكتاب كثيراً من الحكايات التي تداولتها الصحف أثناء الحملة الانتخابية وبعدها، وبعد تسلمه السلطة.

ويثير الكاتب نقاطاً مهمة حول البيت الأبيض تحت قيادة ترامب. ويقول في ما يقول، إن البيت الأبيض يعتريه كثير من الفوضى، بسبب تنازع مراكز القوى عليه. وأن البيت الأبيض، أضحى عقاراً خاصاً بأسرة ترامب والذين يرون أحقيتهم في التدخل في ما يرونه مناسباً، متجاوزين صلاحيات الأشخاص المعنيين بالأمور.

ومرد هذه الفوضى، يعود إلى تنافس ثلاث شخصيات كبيرة، أولها راينس بريبس رئيس موظفي البيت الأبيض، وستيف بانن المسؤول عن الاستراتيجية الإعلامية، وجارد كوشنر صهر الرئيس. ويتصارع الثلاثة على التأثير في الرئيس من منطلقات مختلفة.

فالأول يريد أن يكون توجه الإدارة مطابقاً لسياسات الحزب الجمهوري بشكل عام. أما بانن فكان يريد تنفيذ أجندة يمينية مخالفة للسياسات التقليدية للحزب. وكوشنر يريد أن يضفي نوعاً من الاعتدال على السياسات العامة الصادرة من الإدارة، والتخفيف من حدة وتهور صهره.

وقد استخدم الثلاثة، الإعلام لتقويض بعضهم البعض. ومعظم التسريبات التي تناقش في وسائل الإعلام المختلفة، مصدرها هؤلاء الثلاثة، والذين يستخدمون هذه التسريبات للإطاحة بخصميهم. كما أن الرئيس المحبط من معاونيه، يثرثر في مكالماته مع أصدقائه حول قصور الموظفين في البيت الأبيض ومشاحناتهم، ما يزيد من حد الشائعات حول الوضع الفوضوي في إدارة الرئيس.

وينسج الكاتب قصة، وكأنها مسرحية تراجيدية من مسرحيات شكسبير، كما في مسرحيته الشهيرة «ماكبيث»، والتي يتصارع فيها الجميع ضد الجميع، منقادون بالطموح الشخصي والرغبة في الانتقام من الخصوم.

ويصور الكاتب، الرئيس أنه على هذا المنوال، إذ إنه يرتاب من الجميع، خاصة الصحافة، ويضمر الضغينة لكل من ينتقده أو يظهر أنه أفضل منه. ولم تكن أسرته، خاصة ابنته، والتي تلعب دوراً كموظفة في البيت الأبيض والسيدة الأولى، بأفضل منه في التعامل مع الزملاء، وتحييك الدسائس مع زوجها، كوشنر، ضد خصمه ذي التأثير الكبير في الرئيس، ستيف بانن.

وينتهي الأمر بأن كثيراً من اللاعبين على مسرح البيت الأبيض، ينهون إما منهكون من المكائد، ويغادرون الإدارة، أو أنهم يجبرون على الاستقالة، كما في حالة بانن. وكما في مسرحيات شكسبير التراجيدية، فإن الجميع على خشبة المسرح يموتون. وإذا ما انتهت إدارة ترامب نهاية مأساوية، فإن هذا الكتاب سيكون قد أسهم في هكذا مأساة على شاكلة ملهاة.

 

 

تعليقات

تعليقات