المقدسيون أولاً - البيان

المقدسيون أولاً

الحديث عن أحقية الفلسطينيين التاريخية والدينية والقانونية في مدينة القدس، يجب أن يتعامد ويتلاقى مع ضرورة الانشغال باتخاذ السياسات والخطوات العملية المنظورة؛ الكفيلة بتثبيت هذه الأحقية على أرض الواقع. فطالما بقي الاحتلال الصهيوني جاثماً على صدر القدس، سوف تظل له يد عليا في التحكم فيما يعتمل في أحشائها من تفاعلات وحقائق. هذه اليد ينبغي غلها وإفساد سطوتها إلى أقصى الممكن.

الرواية الصهيونية حول القدس تخلو من الصدقية، والأرجح أن كثيراً من الصهاينة أنفسهم على دراية بذلك، على الأقل بالنظر إلى الأحكام الصادرة عن التحقيقات الدولية لكل من لجنة شو عام 1930 واليونسكو عام 2016؛ التي أكدت أن «الحائط الغربي المسمى بحائط البراق عند المسلمين والمبكى عند اليهود هو ملكية خالصة للمسلمين دون غيرهم».

وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لقدس أقداس مزاعم الصهاينة واليهود في هذه المدينة، فكيف الحال بما هو دون ذلك من دعاوى وافتراءات؟ لكنهم في الوقت ذاته يدركون ما لصناعة الحقائق وتغيير المعالم وفرض الأمر الواقع، من تأثير في تحديد مصائر القضايا العالقة مع الفلسطينيين ومحيطهم الإقليمي والحضاري، ولاسيما قضية القدس.

استولى الصهاينة على 22% مساحة فلسطين التاريخية، زيادة عما خصصه لهم قرار التقسيم الشهير عام 1947. ونثروا مستوطناتهم في طول الضفة المحتلة منذ 1967 وأسكنوا فيها ونشروا زهاء نصف مليون مستخرب يهودي، وهم يأملون أن يؤبدوا هذه الحقائق رغماً عن أي ضغوط مضادة، حتى وإن أذعنوا لمبدأ تبادل الأراضي.

القصد هو الاجتهاد في إفشال هذه السياسة ونقض ما يراد بأحابيلها وشباكها في القدس، من خلال الاشتباك معها بالتوازي والتزامن على صعيدين: الدفع بالحجج والبراهين التاريخية والحقوقية القضائية من جانب، وتكريس وصيانة الحقائق المادية والروحية المرتبطة بالهوية الحضارية الفلسطينية والعربية والإسلامية للمدينة من جانب آخر.

والحق أن المقدسيين أكدوا في كل جولات النزال الفارقة مع سياسات البغي الإسرائيلية، أنهم أهل رباط وصبر ومثابرة عن جدارة واستحقاق. برزت آخر تجليات هذه المكانة السامية في الصيف الفائت حين تمكن المقدسيون من كسر آلية البوابات الحديدية وكاميرات المراقبة، التي أقامها الإسرائيليون على مداخل الحرم القدسي، تمهيداً لاقتسامه زمنياً ومكانياً على غرار ما جرى مع الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل.

لقد وهب المقدسيون ارادة جبارة للمقاومة؛ ولكن هذه الفضيلة لا ينبغي لها أن تنسينا أن كل إرادة تحتاج إلى ما يناسبها من طاقة وإمكانات. في القدس اليوم 324 ألف فلسطيني مقابل 542 ألفاً من اليهود.

هذه الأرقام تشير إلى ديمومة التجذر الفلسطيني في المدينة. لكن ما يتعرض له العمران الفلسطيني عموماً هناك من تخريب ومحاولات استئصال وإحلال للعمران اليهودي، يشي بالثمن المدفوع مقدسياً لقاء استمرار الوجود والصمود.

حرص الإسرائيليون على وضع القدس الشرقية في بيئة لا تصلح للحياة الآدمية: حصار مشدد لقطاعات السياحة والصناعة المحلية والتجارة وهي مصدر الرزق الأساسي للمقدسيين؛ سياسات ضريبية من شأنها إفقار الأغنياء قبل المعوزين؛ إغلاق أبواب المدينة وعزلها عن محيطها بإجراءات أمنية؛ مخططات إسكان أفعوانية خانقة تجعل من ترميم بيت أو إقامة جدار قديم على وشك الانهيار عملاً لا يمر إلا بتصاريح يعز استخراجها؛ جرجرة شرائح اليافعين والشباب إلى مهاوي الانحلال القيمي والأخلاقي بكل السبل ومنها تعاطى المخدرات.

في هذه الأجواء المقبضة، لا تمل المنظمات الصهيونية داخل إسرائيل وخارجها، الممولة للاستيطان والتهويد، من مطاردة المقدسيين مؤسسة مؤسسة ودكاناً دكاناً وعائلة عائلة وبيتاً بيتاً وفرداً فرداً، وعرض الإغراءات الاقتصادية والمالية عليهم، بزعم فتح أبواب الخلاص أمامهم خارج رحاب المدينة.

ولعله من العيب أن يترك المرابطون على خطوط التماس في رحاب القدس وضواحيها وحدهم، لاسيما وقد كشر المستعمرون الصهاينة عن مزيد من العسف، مطمئنين إلى إسناد الظهير الأميركي وشراكته الصريحة لهم.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات