على مدى الـ 40 عاماً الماضية، تراجعت السياسة التجارية بعيداً عن قلب السجال السياسي، ومع التفاوض على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن إدراكنا أن الاتفاقات التجارية تخلق التزامات دولية تربط بلادنا لعقود من الزمن، بات يسيطر على وستمنستر في لندن.
وتؤثر الاتفاقات التجارية على المعايير والحمايات واللوائح التنظيمية التي تشكل نوع المجتمع الذي نعيش فيه. لهذا، فإن واحداً من الأسئلة الأكثر أهمية الناجمة عن خروجنا من الاتحاد الأوروبي ستبدأ الإجابة عنه الآن: مشروع قانون التجارة وقانون الضرائب (التجارة عبر الحدود) من أجل البدء في تحديد الإطار الذي ستتشكل بناءً عليه العلاقات التجارية على مدى ربع القرن المقبل.
وسيكون مثل هذا الإطار مطلوباً بمعزل عن تفاصيل مباحثات «بريكست»، لأنه مهما كانت علاقتنا المستقبلية، سنحتاج إلى مؤسسات جديدة لتحل محل تلك التي كان يوفرها الاتحاد الأوروبي. وتُرجع عمليات إعادة السلطات المسؤولية إلى البرلمان من أجل وضع مسار شفاف يحكم هذا المجال الأساسي للحياة العامة.
لكن هذا ليس ما يحدث في القوانين التجارية. وبدلاً من وضع إطار ديمقراطي شفاف جديد، فإن حكومة حزب المحافظين، كما فعلت مع قانون الاتحاد الأوروبي (الانسحاب) تحاول انتزاع السلطة مرة أخرى.
وأنا متأكد كلياً من أن أولئك الذين صوتوا لمغادرة الاتحاد الأوروبي لم يصوتوا لأخذ السلطات من البيروقراطيين في بروكسل وتسليمها إلى وزير الدولة لشؤون التجارة الدولية ليام فوكس.
ويشمل القانون التجاري «سلطات هنري الثامن»، التي تمكن الوزراء من تعديل التشريع الأساسي بمرسوم، وإبعاد النواب من العملية. ومهما كانت أجندتهم، ويبدو من المؤكد أنهم لا يريدون من أحد أن يدقق بما يفعلون، يجب علينا أن نضمن أن العملية محكومة من قبل البرلمان البريطاني، وهذه مهمة حزب العمال.
ويجب أن يخضع أي اتفاق تجاري ملزم إلى التقييم والاستشارات المناسبة والتفحص البرلماني والسجال والتصويت. في الوقت الراهن، تلك يجري توفيرها جزئياً من خلال المفوضية والنواب، وجزئياً من قبل لجنة التدقيق الأوروبي في وستمنستر. لكن ما أن تغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي، فإن تلك المؤسسات سيتم تجريدها من مسؤولياتها. وسنعود إلى قاعدة بونسونباي عام 1924. وهذا الإجراء القاسي يسمح للحكومة بالتصديق على اتفاق تجاري عن طريق وضعه أمام مجلس النواب لمدة 21 يوماً من أيام العمل، حيث لا حاجة للنقاش، ولا حاجة للتصويت. وهذا لا يكفي بما فيه الكفاية في ديمقراطية حديثة، وخامس أكبر اقتصاد في العالم.
وقد اتضح ما يعنيه هذا الأمر في نوفمبر، عندما جاء وزير التجارة الأميركي ويلبور روس للتحدث أمام مؤتمر البنك المركزي البريطاني في لندن. وقد قيل لنا أنه إذا أرادت المملكة المتحدة اتفاقاً تجارياً مع الولايات المتحدة، سيتعين عليها التخلي عن معاييرها الخاصة ومواءمة أنظمتها أكثر مع الأنظمة الأميركية بدلاً من الاتحاد الأوروبي، لكن تلك الأنظمة تمنحنا الأمن في العمل، وتحمي صحتنا، وتحد من تلوث هوائنا وبحارنا. تلك اللوائح التنظيمية هي التي تمنع المنتجات مثل الدجاج المغسول بالكلور من دخول أسواقنا.
وينظر فوكس إلى تلك الأنظمة كعبء على الأعمال، تمنع المستهلك من الحصول على منتجات أرخص ثمناً، فيما تشكل تلك الأنظمة نوع المجتمع الذي نريد أن نعيش به وجودة الحياة التي نبتغي سلوكها.
ويجب أن تخضع السياسة التجارية إلى أشد الإجراءات البرلمانية صرامة. لهذا، فإن القانون التجاري قطعة رئيسية في التشريع. وكما هو الوضع حالياً، فإن القانون لا يذكر التشاور أو التدقيق، ولا يمنح أي سلطات للبرلمان للتأثير في السياسة التجارية أو مراقبتها.
وينبغي ألا يكون هناك وزير قادر على تسريع الاتفاقات البرلمانية التي يجري التفاوض بشأنها وراء أبواب مغلقة. قبل انتهاء العام، علمنا أن دائرة وزير الدولة لشؤون التجارة الدولية تواطأت مع نظيرتها الأميركية لإبقاء كل المعلومات في المباحثات التجارية الأميركية البريطانية سرية لمدة أربع سنوات بعد اختتامها. وسوف تتقلص ديمقراطيتنا إذا سمح للحكومة أن تنفذ هذا الأمر المثير للغضب دستورياً.
ومن المفارقات أن وزير الدولة لشؤون التجارة الدولية ليام فوكس، الذي كان الأكثر تطرفاً في المطالبة باستعادة السيطرة على سياستنا التجارية من أوروبا، لا يعيدها إلى برلماننا السيادي، ويتعامل معها بالسر بعيداً عن التدقيق والسجال البرلمان قدر الإمكان.
وفيما هذا التشريع يمضي قدماً في الأسابيع المقبلة، فإن نواب حزب العمال سيطالبون بالشفافية والتدقيق البرلماني الصحي، لأننا نعتقد أن سياستنا التجارية يجب أن تدار لمصلحة الأكثرية وليس الأقلية.
*وزير دولة الظل لشؤون التجارة الدولية البريطانية