هل تُغيّر الضريبة المضافة سلوك الخليجي؟

ضريبة القيمة المضافة التي طبقت في بعض دول الخليج ومنها دولة الإمارات بداية عام 2018 هي من النصائح التي قدمها البنك الدولي لدول الخليج لتحسين إيراداتها ومساعدة الحكومات الخليجية على الارتقاء بالخدمات التي تقدمها لأفراد المجتمع.

وهي، من وجهة نظر المؤسسات المالية العالمية، قضية لابد منها لاستدامة الموارد الاقتصادية وترشيد الإنفاق وتحمل الفرد جزءاً من تكلفة الخدمات المقدمة له، تماماً كما يحدث في معظم دول العالم. وتثبت أن دول الخليج قد دخلت بقوة في النظام الاقتصادي العالمي ولا رجعة عن ذلك.

ولكن دول الخليج التي تميزت منذ إنشائها بنمط معين من الحياة المعتمد على الدولة لتقديم الكثير من الخدمات المجانية، والمشتق من الطابع الاستهلاكي، بدا الأمر غريباً بل وغير متوقع، ليس بالنسبة للخليجي فقط بل وحتى بالنسبة للقادم للعيش في الخليج.

فمن الآن وصاعداً على الخليجي التأقلم على نمط مغاير للعيش والاستهلاك، أما الوافد إليها من خارج الخليج فسوف يجد الكثيرون منهم بعض الصعوبة في التوفير. فالكثير منهم جذبهم في الخليج نمط العيش السهل الراقي الخالي من أي التزامات ضريبية.

فلم يكن هناك حتى هذه الفترة أي نوع من أنواع الضرائب المكلفة كضريبة الدخل مثلاً، والتي تقتطع في الكثير من البلدان من دخل الفرد العام وليس هناك ضرائب على أي نوع من الخدمات بل إن الرسوم التي كانت تدفع كانت تعد بسيطة للغاية مقارنة بمثيلاتها في الدول الأخرى.

الضريبة المضافة التي طبقت أخيراً سوف تكون أول نوع من أنواع الضرائب المقررة التي يدفعها الفرد. ومن المؤكد أنه سوف يكون لها تبعات اقتصادية وأخرى حضارية.

من الانتقادات التي كانت توجه للإنسان الخليجي أنه تعود على أسلوب حياة فيه الكثير من مظاهر الاستهلاك والبذخ، وأنه مستهلك نهم لكل ما تنتجه مصانع الشرق والغرب وآخر مظاهر الحداثة المادية. وهذا في حد ذاته سوف يكون له تأثيرات عدة.

لم يكن الترف أسلوباً للحياة في الخليج قبل النفط، فقد عاش الخليجي حياة قاسية تميزت بشظف العيش وقساوة الحياة. كما عرك نمط حياة مختلفة، حيث تميزت حياته بالقسوة وعاش حياة تتميز بشظف العيش وتنقل من بلد إلى آخر بحثاً عن لقمة العيش.

فقد تنقل بين دول الخليج وأيضاً إلى الهند وسيرلانكا بحثاً عن لقمة العيش سواء من التجارة أو بيع اللؤلؤ أو من أجل العمل. وحين جاء النفط وبدأت حكومات الخليج تجني مداخيل اقتصادية ثابتة من النفط أرادت تلك الحكومات أن تعوض مواطنيها عن المعاناة القاسية التي عاشوها من قبل بتوفير مستلزمات الحياة الكريمة للفرد.

فوفروا له المسكن المناسب والضمان الصحي والتعليم المجاني وغيرها من مستلزمات الحياة الكريمة. لقد بدأ الإنسان الخليجي وكأنه إنسان مدلل مرفه يحظى من قبل حكوماته بكل ما يتمناه ويشتهيه. كانت متطلبات المجتمع الخليجي بسيطة للغاية.

ففي بداية تكوينها كانت القوى العاملة الأجنبية فيها قليلة، وبالتالي فلا غرابة أن تحظى حتى تلك العمالة بالعديد من الامتيازات التي كانت تمنح للمواطن كالتعليم الحكومي المجاني والضمان الصحي المجاني. لم يكن هذا الحال سيستمر فترة طويلة. فسرعان ما تغيرت تركيبة مجتمعات الخليج، وجاء إلى تلك الدول ملايين من البشر من جميع أصقاع العالم.

وكان لابد من مراعاة هذا التغير الديمغرافي ومتطلباته، وكان لابد لحكومات الخليج من مراجعة سياساتها الداخلية وأساليب تقديم الخدمات الحكومية. فلم يعد في الإمكان الاستمرار في تقديم الخدمات المجانية لملايين البشر. وهكذا تغير أسلوب تقديم الخدمات. فأصبحت الامتيازات تلك مقصورة على مواطني دول الخليج فقط.

ولكن حتى هذا الوضع ليس فيه من الاستدامة بمكان، وكان على هذا الوضع أن يتغير أيضاً. فالدولة الريعية التي عرفت بها دول الخليج لم تعد واقعاً، وعلى الفرد الخليجي أن يبدأ في التأقلم مع محيطه وما ينتج عنه.

إذاً فالنظام الضريبي طبق ليبقى لأنه يوفر لدول الخليج مورداً مهماً في ظل تذبذب أسعار النفط، وفي حال عجز ميزانية الدولة. كما أنه يضمن استمرارية الدولة في تحسين الخدمات الحكومية والارتقاء بها بل وفي تحسين جودة تلك الخدمات. فهل تغير الضريبة المضافة من أنماط حياة الخليجي أم أنها مرحلة وقتية ثم يعود هذا الإنسان إلى حياة الترف ونمطه الاستهلاكي القديم؟

 

 

تعليقات

تعليقات